فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 330

ويعلو أمر الله، ولنا في أيامنا الحاضرة صورا من صور كراهيتهم. فأيا كان سبب نزول الآيات، (فإنها ترسم صورة مشهد مرعب لهؤلاء المنافقين وهم يسقطون في فتنتهم، وقد سُدَّتْ جميعُ المنافذ عليهم، وجهنم محيطة بهم، جزاء كذبهم وتخلفهم ومعاذيرهم المفضوحة، مخافة الفتنة التي سقطوا فيها وهم كافرون) [1] .

الصورة الرابعة: حب الشر للمؤمنين: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ. قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} (التوبة:50 - 52) .

أمران في غاية البيان في وصف المنافقين، وطبيعة نفوسهم المريضة، فالأمر الأول أن أي حسنة تصيب المسلمين تسوؤهم، والأمر الثاني أن أي مصيبة تقع بالمسلمين تفرحهم، وأنهم قد احتاطوا بالذكاء والحنكة كما يزعمون، سلامة لأنفسهم، باعتقادهم أنهم على خير، ولأنهم يعدون البلاء نقمة، بحسب ما يرونها أمامهم، يعيبون على المسلمين جهادهم وصبرهم وقت المحن، يقول سيد قطب: (ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور، ويحسبون البلاء شرًا في كل حال، ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود) [2] . فحقيقة الإيمان تتطلب من المؤمنين؛ الاستسلام الكامل لقضاء الله وقدره، في أي مصيبة تصيبهم، وأن الخير كل الخير، يكمن في تلك المصيبة إن أحسنوا الصبر، وأحسنوا التوكل على الله تعالى، في أي وجه من وجوهه الأربعة: طلب الأسباب في جلب منفعة، والتعرض للأسباب بالادخار، ومباشرة الأسباب الدافعة للضر، وأخيرا السعي في إزالة المرض [3] .

إن المنافقين يتربصون بالمؤمنين تربص الغدر والخيانة والإغواء والفتنة والضلال، تربصهم ردِّهم عن دين الله، أو يلجئونهم للتنازل عن مبادئهم وثوابتهم، إخفاء لمعالم دينهم، إن تربصهم بالمؤمنين تربص المنتظر هزيمة ساحقة أو مصيبة ماحقة، فحقدهم أَعْمَى أَبْصَارَهُم؛ ومكرهم أدمى قلوبهم، وما علموا أن تربصهم يستجلب الخير للمؤمنين، يقول ابن قيم الجوزية:

(إن أصاب أهل الكتاب والسُنَّة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمَّهم، وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم. وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم، ولا يستوي مَنْ مَوْرُوثَهُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ مَوْرُوثَهُم المنافقون) [4] .

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1664 بتصرف.

(2) المصدر السابق: ص/1664 ..

(3) مختصر منهاج القاصدين لأحمد بن قدامة المقدسي: ص/416، تحقيق عماد زكي البارودي، المكتبة التوفيقية/ القاهرة، ط/1997.

(4) مناهج السالكين لابن قيم الجوزية: ج/1، ص/385، دار الكتب العلمية/ بيروت، ط/1988 م. هكذا وردت وأحسبها: أهل القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت