أما تربص المؤمنين بأعداء الله تعالى، هو النصر عليهم في الدنيا بأيدي المؤمنين بفضل الله تعالى، وإما عذاب الله بهم الآخرة، يقول الرازي: (اختلفوا في تفسير قوله: {بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} قيل: من عند الله أي بعذاب ينزله الله عليهم في الدنيا، أو بأيدينا بأن يأذن لنا في قتلكم. وقيل: بعذاب من عند الله، يتناول عذاب الدنيا والآخرة، أو بأيدينا بالقتل) [1] .
الصورة الخامسة: عدم قبول نفقاتهم: {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ* وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ* فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} (التوبة:52 - 55) .
إنها محاولة التزلف والتقرب إلى المسلمين هي محاولة مكشوفة؛ لذا فضح الله صورتهم وكشف مدخول نفوسهم، وإن تخفوا في صفوف المسلمين، وإن تظاهروا بالإنفاق طائعين، والله يعلمهم، ويحفر على أساساتهم لبيان حقيقة نفوسهم المريضة، وليعلموا أن إنفاقهم طائعين أمام الناس، أو كارهين بعلم الله لقلوبهم، لن يتقبل الله منهم، بسبب فسقهم وكفرهم بالله ورسوله، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وأن لا ينفقون إلا وهم كارهون في جميع الأحوال، ففضحهم الله تعالى بذلك، لذا حذر المسلمين عموما ونهاهم عن النظر في أموالهم وأولادهم، فهي سبب هلاكهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة، يقول سيد قطب: (ولقد كان أولئك المنافقون يدسون أنفسهم في الصف , لا عن إيمان واعتقاد , ولكن عن خوف وتقية, وعن طمع ورهب. ثم يحلفون أنهم من المسلمين, أسلموا اقتناعًا, وآمنوا اعتقادًا) [2] . (فما أكثرهم! وهم الأقلون. وما أجبرهم! وهم الأذلون. وما أجهلهم! وهم المتعالون. وما أغرهم! إذ هم بعظمته جاهلون {وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} (التوبة:56) [3] .
(إنهم يمتازون باتخاذ أيمانهم الكاذبة درعا لهم يتقون بها غضب المؤمنين، فكان التلون والتذبذب شعارا لهم ودثارا، وأنهم بأيمانهم أصبحوا مع المسلمين ومنهم .. فلا تغتروا يا معشر المؤمنين بأيمانهم الكاذبة) [4] ، وما أكثر صورهم اليوم، وادعاءاتهم الباطلة التي يرسموها لأنفسهم، وهي منهم براء.
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/87.
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1666 اقتباس وتصرف.
(3) مناهج السالكين لابن قيم الجوزية: ج/1، ص 384 - 385.
(4) قبس من نور القرآن للصابوني: ج/3، ص/46 - 47 باختصار.