لأوصاف المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله فنالوا عز الدنيا والآخرة، حيث ذكرت الآية تسع صفات جليلة ورفيعة) [1] وإليك أوصافهم:
الصفة الأولى: التائبون:
أثنى الله عليهم ومدحهم بقوله {التائبون} من جميع الذنوب، كما أثنى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عليهم، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) [2] ، دائمو التوبة، والاستغفار عن كل ما بدر منهم وسلف، حيث يشعرون دائما بالقصور، يصاحب هذا الشعور الندامة والأسف حياء من الله تعالى، فلا يمكن لمجاهد مقبل على ربه، أن يتلف نفسه في سبيل الله صادقا، وحاك في نفسه إثم أو ذنب إلا تركه وتاب منه وكرهه، يقول سيد قطب: (التائبون مما أسلفوا، العائدون إلى الله بالاستغفار، يحدوهم شعور بالندم على ما مضى، وتوجه إلى الله فيما بقي، وكفٌ عن الذنب، وعملٌ صالح يحقق التوبة، كما يحققها بالترك، فهي طهارة وزكاة وتوجه وصلاح) [3] .
الصفة الثانية: العابدون:
إذا أراد المجاهد أن يكون يوفَّى عهده وبيعته مع ربه، ومجاهدا صادقا بذوده عن دينه وأمته، لا بد له من التمترس خلف عبادته لربه لا يشرك به شيئا، متمسك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قولا وعملا، وأن يؤدي الفرائض التي هي أحب الأعمال إلى الله عبادة، ومكثرا من النوافل حبا ورضا وتقربا، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضه عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ... ) [4] ، فإن أداء الفرائض على وقتها، وكثرة النوافل من قيام وصيام وتلاوة حبا في الله، فلا بد من حسن الظن بالله، مخلصا في نيته صادقًا في قوله محسنا صالحا في عمله، هذه هي العبادة التي تجعل من المسلم رباني الصفات، ليكون مجاهدا صادقا، يقبل على ربه، راغبا في عدوه قتلا وتقتيلا ونكاية. فمن عَبَدَ اللهَ حبا وتعظيما هانت عليه نفسه وقدَّمها رخيصة في سبيل الله، يقول الرازي: (إن إتيان العبادة بالرضا والمحبة مشعر بتعظيم الله تعالى على أقصى الوجوه في التعظيم ... فمعرفة
(1) قبس من نور القرآن للصابوني: ج/3، ص/95.
(2) سنن الترمذي: ك/صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ب/ .. ص/563، ح/2499 (حسنه الألباني) .
(3) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1719.
(4) صحيح البخاري: ك/ الرقاق، ب/ التواضع، ج/4، ص/1297، ح/6502.