{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ [1] إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة:38 - 41) .
الدعوة إلى الجهاد جاءت عن طريق الاستفهام الاستنكاري، الذي يوبخ المتثاقلين المتباطئين والمتقاعسين، عن الجهاد، يقول الزمخشري: (ما تصنعون إذا قيل لكم؟) [2] ،
فقد استحث الله تعالى عباده المؤمنين مستعطفهم بنداء نعمة الإيمان، وبعد أن ختم الآية السابقة: {والله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} [3] ، وكأنه يقول لهم: (أي إذا دعيتم إلى الجهاد تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار) [4] ، من هذه النتائج:
أولا: ترهل في الجسد الإسلامي، الفردي والجماعي، المتمثل بالتخمة، الناتج عن حب الدعة والراحة، فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنُّون ويحبُّون السِّمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها) [5] ، وعن جعدة - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عندما رأى رجلا سمينا، فجعل يومئ بيده إلى بطنه، ويقول: (لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك) [6] ، وهذا ناتج عن كثرة الأموال المركونة، لعدم إنفاقها في سبيل الله، مما يسبب ترهلًا معنويًا، المتمثل في حب الذات والأنا، الوهن والضعف، الذي حذرنا منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيا: يصبح التضخم ميزة المجتمع بكثرة المترهلين لمنعهم الزكاة، فيكثر الفقراء، وترتفع الأسعار، مما يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني، وعندما نستقرئ من سبقنا من الخيرين، الذين امتثلوا أمر ربهم في الجهاد والإنفاق، والعفة، كيف كثرت لديهم الخدمات العامة، وبنيت المستشفيات وشقت الطرق، وتم تشغيل الفقراء والمحتاجين، وتم دفع أذى المعتدين، فبالإنفاق والجهاد والعفة، إضافة إلى القيم والاتجاهات الخَيِّرة الناتجة عن حب الجهاد والإنفاق، مثل:
(1) اثاقلتم، تثاقلتم، وبه قرأ الأعمش، أي تباطأتم وتقاعستم، انظر: الكشاف للزمخشري: ج/2، ص/299.
(2) تفسير الكشاف للزمخشري: ج/2، ص/299.
(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 317 بتصرف.
(4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ج/2، ص/394.
(5) سنن الترمذي: ك/ الشهادات، ب/منه، ص/520، ح/2302. (صححه الألباني)
(6) مسند الأمام أحمد: ج/3، ص/471. إسناده ضعفه الأرناؤوط.