لقد كان الحديث عن المؤمنين في سورة التوبة من خلال مقاطع صغيرة، من أول السورة من خلال الحديث عن المنافقين، ومن باب المقارنة بينهم وبين المنافقين، والحديث عنهم من زاوية الجهاد في سبيل الله، فمن بداية السورة حث الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بمجاهدة المشركين والقعود لهم كل مرصد، وأن يكون المؤمنون هم أهل للوفاء، وأن ينبذوا عهود أهل الغدر والخيانة، ثم التركيز على مقاتلة المشركين، فما ينبغي لمؤمن إيثار نفسه وأهله، أو أي شيء من زخرف الحياة الدنيا، على الله ولا على رسوله أو الجهاد في سبيل الله، فضرورة مجاهدة المشركين وأهل الكتاب كافة، أمر حتمي للمؤمنين، نصرةً لدين الله ورفعة لشأنه، وتمكين لهم في الأرض، يقول الرازي: (اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفار وفضائحهم، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم) [1] ، فكان الخطاب للمؤمنين ترغيبا في الجهاد والنفير، وتحقيرا للقاعدين، وبين سوء فعال المتخلفين بتثاقلهم عنه، ويبين حقارة الدنيا، بنعيمها القليل الزائل، مع خطورة عدم الامتثال لأوامر الله تعالى، وأن عدم امتثال أوامر الله لا يضر إلا المتخلفين المتثاقلين، بتعرض المؤمنين لسنة الاستبدال والتدافع.
ثم بين طريقا آخر للترغيب في الجهاد وعظم فضله، من خلال معية الله معهم، لأن جهادهم لا يجلب لهم إلا الأجر العظيم والنفع العميم في الدنيا والآخرة، أما رد العدوان، فقد تكفل الله برده ونصرة دينه ونبيه، فجهادكم تعبير عن حسن امتثالكم لأوامر الله، وحسن طاعتهم له.
ومن بين ثنايا هذا الترغيب العظيم في الجهاد، حذَّر المؤمنين خَطَرَ القعودِ، وشرف المعية الإلهية في النصرة والتمكين، لذلك حث الله تعالى على الجهاد في مواضع كثيرة في السورة ورغب فيه وبين عظيم أجر المجاهدين، قال تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التوبة:88) .
فكان الجهاد بالنفس والمال للكبير والصغير والضعيف والقوي، من أهم صفات المؤمنين الصادقين الذين غمر الإيمان قلوبهم واختلجت ضلوعهم بحب الله ورسوله، فسارع إلى نصرة دينه ورسوله، فمن حسن الامتثال لأوامر الله؛ الإسراع في الجهاد، وبعد أن رغبت في الجهاد وأثنى عليهم في أول السورة وما أعدَّ الله تعالى لهم من الأجر والدرجات العلا من الجنة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (التوبة:20) .
عرض عليهم الصفقة الرابحة بشراء أنفسهم وأموالهم، فقال جل في علاه:
إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/59.