لقد كانت البيعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الإقناع بالحسنى، والموعظة الحسنة للدخول في الإسلام، فإن قبلوا، وأعلنوا إسلامهم، أُخِذَتْ منهم البيعةُ شرطا أساسًا مع إسلامهم، بالتالي كان لا بد منها للمسلمين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وللمسلمين مع كل من خَلَفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفس المنهج والأثر، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( .. ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ، مات ميتة جاهلية) [1] ، لهذا لم تكن البيعة لشخص الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بقدر ما يمثله كرسولٍ لله تعالى، لتكون البيعة لله وحده، ومع هذا فلم تتم المبايعة كتفويض من المسلمين له - صلى الله عليه وسلم - في شؤون حياتهم فقط؛ وإنما للزوم جماعة المسلمين في جميع الظروف، في حياته ومن بعده - صلى الله عليه وسلم -، قائمة على مبدأ التناصح والتناصر بين الراعي والرعية، كرباط يوثق فيه الطرفان الحقوق والواجبات لكليهما، يحكمهما في ذلك منهج الشرع الذي هو منطلقه وغايته هذا العهد، وهذه البيعة بداية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكل من سار على هديه، واقتفى أثره في منهجه، بالتالي لا بد لكل مسلم أن يكون في رقبته بيعة الإسلام وبيعة المناصرة والولاء لله ولرسوله.
لقد تخللت القرون التي تلت الخيرة منها الكثير من التداعيات والأحداث التي اجتاحت الأمة المسلمة، محاولة استباحة خضرائها، ووأد شأفتها، في حملات متتالية أسفرت على استطالة الأوغاد في أعراض المسلمين، وتدنيس ديارهم، وولوغ التتار والصليب واليهود في دمائهم دون رقيب أو حسيب، ما لا يسع لحرٍ أن يقف إزاء ذلك مكتوف اليدين، أو يلازمً الصمت الذي ينم عن العار والنذالة، ناهيك عن المسلم المؤمن التقي النقي.
في ظل هذه الحملات الحاقدة والهجمات الشرسة ضد ديننا ونبينا وأبناء أمتنا، وفي ظل شطب كل ما هو خَيِّر في هذه الأمة، بقيت الراية خفاقة، وانتشر الإسلام في قلوب العباد قبل دخول البلاد، والتزم الخُلَّصِ من المسلمين ببيعتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالالتفاف حول أئمتهم المجاهدين لنصرة دينهم ونبيهم، في ظل أوضاع هي الأفظع في تاريخهم، وتماثل سطوة التتار ... على عاصمة الخلافة بل أشد، والمتمثلة بالتخاذل الذي يتقنه المنافقون، والمخالفة التي يجيدها أصحاب القلوب المرتابة والمريضة، إنه النكران والجحود والتخلِّي عن المؤمنين، إنه المكر والكيد والكذب الذي يتفنن فيه المرجفون. إنهم المنافقون الذين في كل عصر يحاولون حرف البوصلة عن مسارها، جاهدين من خلال ولائهم للكافرين، وتحالفاتهم الإجرامية ضد المجاهدين، بالطعن في جهادهم ونصرتهم، رغم ذلك كله؛ يشعر المؤمن وقت المحن وغيره أن البيعة في رقبته وفاء بما عاهد عليه الله تعالى، لينعكس ذلك من خلال تسابقهم لنصرة الدين والعقيدة، إنها البداية وأول العهد، الذي يتوارثه المسلمون الأوفياء جيلا إثر جيل، الذين باعوا أنفسهم لله، يتعاهدون على الولاء والنصرة، وبذل الغالي والنفيس والمُهَج في سبيل الله، يرجون رحمة ربهم ويحذرون أليم
(1) صحيح مسلم: ك/ الإمارة، ب/وجوب ملازمة جماعة المسلمين .. ، ج/3، ص/1478، ح/1851.