جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ الله (التوبة:128 ) ) [1] ، ومع ذلك هو أكثر الناس استغفارا، فعن الأغر المُزَنِي [2] - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ... وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) [3] .
كان يقوم - صلى الله عليه وسلم - الليل حتى تتورم قدماه، فقد كان أتقى الناس وأخشاهم لله، بَيَّنَهَا عندما تَقَالَّ بعض الصحابة عبادته، فقال: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس من) [4] ، ويصوم فلا يعلم فطره، ويفطر فلا يعلم صيامه، فهو سيد من حَمَدَ [5] وسيد من شكر - صلى الله عليه وسلم -، أحمدُ الناس لله رب العالمين، وعند الله المُحَمَّدُ، جمع صفات الحامدين الصالحين، فَحُمِدَ في الأولى والآخرة، ومحمودًا من الله والناس.
إنه إمام المجاهدين، صدع وامتثل لأمر ربه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} (الأعراف:165) ، فكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ووصى بذلك، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وحذَّرهم من مخالفة أمره من بعده، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُفُ [6] من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [7] .
مما يدلل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب (الحث على مجاهدة المخالفين بأقوالهم وأفعالهم، وإن عدم إنكار المنكر دليل على ذهاب الإيمان، وبقدر كراهية المنكر يتبين مدى قوة الإيمان) [8] .
وأولى الناس في الحفاظ على حدود الله ومحارمه، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا؛ فإن يتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم؛ نجوا، ونجوا جميعًا) [9] . فبمقدار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يكون الاستعداد للجهاد، وبمقدار الإيمان، يكون حب الاستشهاد؛ فأرض المعركة لا تستوعب إلا من كان مجاهدا بيده أو لسانه، ومن أنكر منكر الظالمين ولو بقلبه، فمن لم يكن
(1) الرسالة للإمام الشافعي: ص/ 12 - 13 بتصرف. مكتبة دار التراث/ القاهرة، ط/2/ 1979 م.
(2) الأغر بن يسار المزني من المهجرين الأولين، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي بكر، تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/1، ص/231.
(3) صحيح مسلم: ك/ التوبة، ب/ استحباب الاستغفار والاستكثار منه، ج/4، ص/2075، ح/2702
(4) صحيح البخاري: ك/ النكاح، ب/ الترغيب في النكاح، ج/3، ص/1046، ح/5063.
(5) لسان اللسان لابن منظور: ج/1، ص/289.
(6) تخلف: تحدث، وخلوف جمع خلف وهو الخالف بشر، انظر: صحيح مسلم: ج/1، ص/70.
(7) صحيح مسلم، ك/ الإيمان، ب/بيان أن النهي عن المنكر من الإيمان، ج/1، ص/69 - 70، ح/50.
(8) نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من المؤلفين: ج/1، ص/170 - 170،.مؤسسة الرسالة/ بيروت، ط/24/ 1997 م.
(9) صحيح البخاري: ك/ الشركة، ب/هل يقرع في القسمة؟ والاستهام فيه، ج/2، ص/493، ح/2493.