ثانيًا: وهناك مَن يقول: إن صلاة الجنازة على القبور مشروعة مع أن فيها فاتحة الكتاب وهي من القرآن، فهذا دليل على مشروعية قراءة القرآن عند القبور.
والجواب عن هذا:
أن هناك فرقًا بين الصلاة وقراءة القرآن عند المقابر، فقراءة القرآن في صلاة الجنازة عند المقابر جاءت عرضًا ولم تكن مقصودة لذاتها، أما قراءة القرآن عند المقبرة فتكون بقصد القراءة عند القبر لذاتها لا أنها جاءت تابعًا أو عرضًا، وقد جاء في كتاب"اقتضاء الصراط المستقيم"
مخالفة أصحاب الجحيم"لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ صـ 344 وفيه:"
"ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، ومع هذا فالفرق بين ما يُفْعل ضمنًا وتبعًا، وما يُفْعَل لأجل القبر بَيِّن واضح". أهـ
ـ ثم إن الاستدلال بجواز صلاة الجنازة على القبر ـ على جواز القراءة عند القبور ـ استدلال بالقياس، وهو قياس مع الفارق، ولا حجة في قياس عَارَضَتْهُ أدلة واضحات.
ـ ونقول أيضًا: على فرض أن هذا دليل يشير إلى الجواز، فهناك أدلة تمنع، وفي هذه الحالة يقول علماء الأصول: تقدم أدلة الخطر على الإباحة.
ـ ونقول أيضا: ً أن ما ذهبتم إليه مفهوم وهو يتعارض مع المنطوق وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم:
"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر [ينفر] من البيت الذي تُقْرأ فيه سورة البقرة"
فترى في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تُجْعَل البيوت كالمقابر التي لا يُقرأ فيها القرآن.
فهنا ينبغي أن نُقدِّم المنطوق على المفهوم. والله أعلم.