فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحي لدعائه له وصدقته عنه، وصيامه عنه، وحجه عنه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلا وكَّل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله"
فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ويرحم هذا.
ملاحظة:
في قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ..."ـ ومن المعلوم أن الكافر من جملة بني آدم، فهل ينتفع بعمل ابنه المسلم؟
الجواب: لا. وعلى هذا ينسحب أيضًا الأب الفاسق العاص الذي يكره الخير ولا يحب سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو في هجوم شرس عليها، ودائمًا هو مغلاق للخير مفتاح للشر فهو أيضًا لا ينتفع بأعمال ابنه الصالح وبهذا القول قال ابن أبي جمرة وابن حجر والنووي واحمد بن حنبل، ومع هذا نجزم بأن فضل الله كبير ورحمته وسعت كل شيء ونرجو أن يشملهم الله برحمته طالما أنه مات على التوحيد ويكفي أنه أقام ابنه على الإسلام حتى صار من الصالحين.
ومما سبق يتبين لنا أن الميت ينتفع بعد موته بأمور من كسبه بيَّنها الحافظ السيوطي- رحمه الله- وساقها في أبيات شعر، فقال:
إذا مات ابن آدم ليس يجري ... عليه فِعال غير عَشْر
علومٌ بثَّها ودعاءُ نجلٍ ... وغرسُ النخل والصدقاتُ تجري
وراثةُ مُصْحفٍ ورباطُ ثغرٍ ... وحفرُ البئر أو إِجْراء نَهْر
وبيتٌ للغريب بناه ياوِي ... إليه، أو بناءُ محل ذِكْر
وتعليمٌ لقرآن كريم ... فخذها من أحاديث بحصْر
(عون المعبود في شرح سنن أبي داود:8/ 87)
تنبيه:
مَن أراد أن يجمع هذه السلسلة (الجامع لأحكام الجنائز في سؤال وجواب) في كتاب ثم يطبعه وينشره فله ذلك، وهذا من الصدقة الجارية، والدال على الخير كفاعله.
تقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال، ورزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وفي السر والعلن، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على فعل الخيرات وطاعة الرحمن، وفي الآخرة مع سيد الأنام وإمام المتقين - صلى الله عليه وسلم - في جنَّة العالمين ... آمين