لعله من أصغر الرسائل التي ألَّفها الحافظ الجليل ابن رجب الحنبلي، لكنه من أقرب الموضوعات المتعلِّقة بحياة العالم والداعية، بل وكل مسلم، فإن الدين النصيحة.
وإذا كان المؤلِّف قد تناوله من ناحية حديثيَّة وتربويَّة، فإنه يحتاج إلى المزيد من إلقاء الضوء على هذا الموضوع الخطير من قِبَل تربويين إسلاميين، يَعرِفون مدى أهمية النصيحة وقيمتها من جِهة، ثم أسلوب توجيهها من قالب الإسلام الخالص من جهة أخرى.
يقول المؤلف - رحمه الله: النصيحة والتعيير يَشترِكان في أن كلاًّ منهما ذِكْر الإنسان بما يكره ذِكره، وقد يَشتَبِه الفرقُ بينهما عند كثير من الناس، واعلم أن ذِكْر الإنسان بما يكره محرَّم إذا كان المقصود منه مجرَّد الذم والعيب والنقص، فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين خاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة، فليس بمحرَّم، بل مندوب إليه، وقد قرَّر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل، وذكروا الفرق بين جرْح الرواة وبين الغِيبة.
وقال في موضع آخر: من أظهر التعيير إظهار السوء وإشاعته في قالَب النصح، وزعَم أنه إنما يحمِله على ذلك العيوب، إما عامًّا أو خاصًّا، وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى، فهو من إخوان المنافقين الذين ذمَّهم الله في كتابه في مواضع، فإن الله ذمَّ من أظهر فعلًا وقولًا حسنًا وأراد به التوصل إلى غرضٍ فاسد يَقصده في الباطن، وعَدَّ ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة.
سلبيات يجب أن تختفي! [2]
التركيز هنا على حياة الداعية وأسلوبه في الدعوة، وأنه لا يخلو من أمراض عليه أن يُبادِر
(1) تأليف ابن رجب الحنبلي؛ علَّق عليه وخرَّج أحاديثه علي حسن علي عبدالحميد، ط 2، عمان، دار عمار، 1409 هـ، 29 ص، (من رسائل الحافظ ابن رجب 3) .
(2) سلبيات يجب أن تختفي من حياة الإسلاميين؛ محمد علي الهاشمي، بيروت: دار البشائر الإسلامية: 1417 هـ، 86 ص.