واعتنى بها وأصدرها في رسالة مُفرَدة؛ لأهميتها [1] ، ففيها يؤرِّخ المؤلِّفُ لبداية تأليف معاجم اللغة عند المسلمين، وما أسَّسه العلماء المسلمون في باب تحقيق النص وضبْطه، والدقة البالغة في تحمُّله ونقْله، وروايته وأدائه، ومعالجة عوارضه التي قد تعتوره من تحريف أو زيادة أو نقص أو اشتباه، وأن المسلمين قد تقدَّموا غيرهم في صُنْع الفهارس العامة المتنوِّعة، وليس كما يدَّعيه بعض الضعفاء من أنها سَبْق للمستشرقين في تحقيق تراثنا.
ويُدرِك القارئ من قراءته لهذه الرسالة المفيدة كيف تبارت عقولُ علماء المسلمين وأذهان الألمعيين في ضبْط الكتاب والكلمة العلميَّة وتوثيقها، في تحمُّلها وسماعها، وأدائها وتسجيلها، وحِفظها ونقلها من جيل إلى جيل، حتى وصلت إلينا سليمة قوية دون تحريف أو تبديل.
كما أضاف الشيخ أبو غدة إليها إضافات أخرى مفيدة تَزيد من أهميتها، جزاهما الله عنا خير الجزاء.
يحكي قصة الكتب والمكتبات الوقفيَّة، وإسهام الوقف في بناء أركان الثقافة الإسلامية المتنوِّعة على امتداد العصور والديار الإسلامية، كما يظهر دور جزء كبير من المجتمع الإسلامي في بناء دور المكتبات الخاصة والعامة، والمُلحَقة بالمدارس والمشافي والمساجد والمقابر المنتشرة في كل المدن الكبيرة والصغيرة، والقرى القريبة والنائية.
ومن خلال الحديثِ عن هذه الأوقاف، نقف على مجموعة كبيرة من الأعلام الذين ساهموا في المسيرة الحضاريَّة للكتاب الإسلامي، كما نَقِف على عددٍ هائل من المكتبات المختلفة التي تَعكِس لنا عظمةَ تُراثِنا المفقود والموجود، والوضع الثقافي والفكري لمراحل التاريخ الإسلامي المتميِّز في كثير من جوانبه عن جميع الحضارات والمدنيات.
وقد توصَّل الكاتب إلى نتائجَ مهمة في بحثه المهم هذا، منها: أن المكتبة أول ما عُرِفت كان
(1) وعنوانها الكامل هو: تصحيح الكتب وصُنْع الفهارس المعجمية وكيفية ضبْط الكتاب وسبق المسلمين الإفرنجَ في ذلك، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1414 هـ، 110 ص.
(2) الوقف وبنية المكتبة العربية: استبطان للموروث التاريخي؛ يحيى محمود ساعاتي، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1408 هـ، 238 ص.