الناس.
ثم قال: وكان من أثر إقرار هذا المبدأ"إقرار العُرْف"وغيره، أنْ زخَر الفقه الإسلامي على مر العصور بشتى الحلول لما استجدَّ ويَستجِدُّ من القضايا بين الناس، ولما يتطلَّبه التطور الحضاري بما يُصاحِبه من التعقيد وتَشابُك الأمور، ولم يقف هذا الفقه عاجزًا عن حلِّ أيَّة قضية في يوم من الأيام، رغم انتشاره في بيئات مختلفة الظروف والمناخ، وتطبيقه على أكبر مساحة من الأرض عرفها دين من الأديان، الأمر الذي يمكن القول معه: إن الشريعة الإسلامية لاحظت تأثيرَ المناخ في تشكيل العادات التي تَحكُم تصرُّف الإنسان قبل أن يَعرِفها ويقول بها منتسكيو في روح القوانين بمئات السنين.
وخلاصة القول: إن الفقه الإسلامي قد ازدهر على مر العصور، وكان من جملة ازدهاره مراعاة العُرْف، حتى يمكن القول: إن الثروةَ الفقهيَّة الإسلامية تُعدُّ - بحق - أكبر ثروة فكريَّة عرَفها الإنسان، وبخاصة في مجال الفقه.
يتميَّز هذا البحث - كما يقول كاتبُه - بالجِدَّة، فلم يرَ مَن تطرَّق لهذا الأصل ببحث مُستقِل، يَضبِطه ويُبيِّن شروطه، ويَذكُر أقسامه.
قال: وتَكمُن أهميته في أن جلَّ الفقهاء قالوا بالاحتياط وعمِلوا به وذَكَروه في كتبهم ومصنفاتهم، وهو مع ذلك غير مضبوط.
والعمل بالاحتياط انْبنَتْ عليه مسائل عديدة في أبواب الفقه المختلفة، ومع ذلك لا يوجد للعمل به ضوابطُ أو شروط مدوَّنة في كتب الفقه وأصوله تبيِّن صحيحه من فاسده، وواجِبَه من مندوبه، بل غاية ما تجد أن يعوِّل الفقيه عليه، ويُرجِع القولَ بالحكم المعيَّن إليه، فيقول: الاحتياط يقتضي كذا وكذا، وإذا لم يُبنَ هذا الأصل على ضوابط ويتقيَّد به بشروط، فإن العمل به قد يؤدِّي إلى الحكم بغير الشرع؛ ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى كتب الفقه والنظر
(1) إعداد وتأليف منيب محمود شاكر، الرياض: دار النفائس، 1418 هـ، 512 ص (وأصله رسالة ماجستير قُدِّمت إلى جامعة الملك سعود عام 1414 هـ) .