ومن هذا المسائل: ما يتعلَّق بالقرآن الكريم، الامتناع عن المباح خَشية الوقوع في الحرام، الغِيبة والنميمة للمصلحة، كثرة السؤال والتعمُّق في مسائل العلم، عدم مجابهة الجاهل والسفيه، الإمعة ممنوعة في الإسلام، ترْك تغيير المُنْكر إذا ترتَّب عليه مفسدة أشد، منع قَبُول الهدية للمصلحة، معاملة المجرم بما يستحق رحمة بالمجتمع، لا يُقام الحد في أرض العدو، كيفيَّة إقامة الحد على الضعيف والمريض، سقوط الحد عند المجاعة، الهدم والحرق وقطع الأشجار للمصلحة، الحكمة من إظهار الصدقة الواجبة والتطوع، الحج والزواج أيهما أحق بالتقديم، مقاطعة ذوي البدع أولى وأسلم، إتلاف ما يُخشى من ورائه الفتنة أو للمصلحة، التواضع يجب أن يكون في حدود، دفع مال للكافر لتخليص الأسرى، قتْل الجماعة بالواحد، القاتل لا يَرِث، كراهية المدح في الوجه لمن خِيفَ عليه المفسدة.
وفي حكمة العارف وحصافة الفقيه، يقول المؤلف في مقدمته: التفقه في الدين أكبر نعمة على العالم، لتوفيق الله له في الوصول إلى أسرار هذه الشريعة الغرَّاء؛ لذلك نرى بعض المذاهب كالمذهب الظاهري، لم يَدُم طويلًا، حيث إن فقهاءه لم يوفَّقوا إلى فَهْم النصوص فهمًا صحيحًا باستخراج كثير من المسائل التي تدل على كمال هذا الدين وعظمته، وتُبيِّن حكمَه ومعجزاته فيما شرع لهذه الأمة؛ لتمسُّكهم بظاهر النصوص، دون العناية بالمعاني واستنباط الأحكام والمسائل المفيدة، وإدراك كُنْه هذا الدين ومغزاه وأسراره، والفَهْم الصحيح الصائب الذي لا يَتعارَض مع ما جاء به من حِكَم وأسرار، بل وقفوا على ظواهر النصوص وجمدوا عليها؛ لذلك انقرض ذلك المذهب، ولم يَعُد له وجود.
وعندما أرسل - سبحانه - رسولَه بالهدى ودين الحق وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، علِم - سبحانه - أن هذا الدين سيستمر إلى أن يَرِث الله الأرضَ ومن عليها، فجعله صالحًا لكل زمان ومكان، لا تتعارض أحكامه ومبادئه وأُسسه مع مصالح الناس وشؤون حياتهم وحاجتهم، وإن اختلفت العصور، وتجدَّدت الحضارات، وتنوَّعت المتطلبات، فهو الدين الخالد، والشريعة السَّمحة التي لا غنى للناس عنها في كلِّ العصور والأزمنة.
والدليل على سماحة هذا الدين ما نراه وما نَلمَسه من مرونة لأحكامه في كثير من المجالات، ومن تسهيل ويُسْر في أحكامه وواجباته؛ نظرًا للزمان والمكان الأحوال، فإننا نرى الفقهاء على اختلاف مذاهبهم متَّفِقين على اعتبار العُرْف الصحيح لكل زمان ومكان.