الفصل التاسع:
سيميوطيقا الصورة المرئية أو البصرية
كثيرة هي الأبحاث الفلسفية والأنتروبولوجية التي تثبت أن الإنسان في البداية كان يفكر بطريقة بصرية مادية، يترجم كل منظوراته الحسية عن طريق الصورة أولا، واللغة المنطوقة ثانيا. والدليل على ذلك الطقوس الأنتروبولوجية والدينية.
هذا، ويلاحظ أن جميع الأديان السماوية قد حرمت إنتاج الصورة الحسية، ومنعتها من التداول، كما يتجلى ذلك واضحا في موقف اليهودية من التجسيم السامري، وموقف الإسلام من الرسم والتشكيل وتعليق الصور المجسمة؛ لأن ذلك يحيل على فعل الخلق والوثنية وعبادة الأصنام. بيد أن المسيحية التي رفضت التجسيم في البداية، سرعان ما استعانت بالصورة الحسية بشكل كبير في تزيين كنائسها وبيعها ومعابدها، وحولت صور الأنبياء إلى صور منحوتة مع مجموعة من النحاتين، مثل: ميكائيل أنجلو، ورفائيل، وليوناردو دافنشي. وبدأت المؤلفات والكتب في الثقافة الغربية تستعين بالصور للاستشهاد والتدليل والتوضيح.
هذا، وقد بلغت الصورة أوجها وازدهارها إبان مرحلة التصوير في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ ظهرت الصورة الشمسية، والصورة السينمائية، والصورة التلفزيونية الملونة وغير الملونة لالتقاط المجسمات والمجردات.
وفي العقود الأخيرة، انتشرت الصورة الرقمية في جميع مجالات الحياة الثقافية والأدبية والفنية والجمالية والعلمية والبيداغوجية، وهيمنت الصورة الرقمية على الموسيقا والغناء والإشهار والكليب، وتقلصت اللغة المنطوقة، فانتقلت الصورة من الحالة الثابتة إلى المتحركة، ومن الحالة الصامتة إلى الحالة الناطقة والنابضة بالحركة.