ويبدو لنا من هذا كله أن السيميوطيقا البيرسية بمثابة بحث رمزي موسع. وبالتالي، فهي تنكب على الدلائل اللسانية وغير اللسانية. ومن الواضح"أن مفهوم الدليل ما كان له أن يكون كذلك لو لم يوسع ليشمل مختلف الظواهر كيفما كانت طبيعتها. وقد أكد بيرس أنه لم يكن بوسعه أن يدرس أي شيء، مثل: الرياضيات والأخلاق والميتافيزيقا والجاذبية وعلم الأصوات والاقتصاد وتاريخ العلوم ... إلخ إلا بوصفه دراسة سيميوطيقية." [1]
وعليه، فسيميوطيقا بيرس ذات وظيفة فلسفية ومنطقية، لا يمكن فصلها عن فلسفته التي من سماتها: الاستمرارية، والواقعية، والتداولية. ومن ثم، تكمن وظيفة السيميوطيقا البيرسية"في إنتاج مراقبة مقصودة ونقدية للعادات أو الاعتقادات، وهنا يوجد المجال الخاص بالمعرفة الفلسفية أو العلمية التي تبلور، في أوقات محددة من تاريخها، سلسلة من المعايير التي تسمح بتحديد ماهو صادق، سواء كان هذا الصدق مفكرا فيه باعتباره ملاءمة (كفاية) أم باعتباره انسجاما داخليا أم باعتباره مشاكلا للواقع". [2]
وتعد سيميوطيقا بيرس أيضا بمثابة سيميوطيقا الدلالة والتواصل والتمثيل في آن واحد. كما أنها سيميوطيقا اجتماعية وجدلية، تعتمد على أبعاد منهجية ثلاثة: البعد التركيبي، والبعد الدلالي، والبعد التداولي. والسبب في ذلك يعود إلى أن الدليل البيرسي ثلاثي؛ نظرا لوجود الممثل باعتباره دليلا في البعد الأول، ووجود موضوع
(1) - حنون مبارك: نفسه، ص:79.