ومن هنا، فقد تجاوز رولان بارت تصور الوظيفيين الذين ربطوا بين العلامات والمقصدية، وأكد على وجود أنساق غير لفظية، حيث التواصل غير إرادي، لكن البعد الدلالي موجود بدرجة كبيرة. وتعتبر اللغة الوسيلة الوحيدة التي تجعل هذه الأنساق والأشياء غير اللفظية دالة، حيث إن كل"المجالات المعرفية ذات العمق السوسيولوجي الحقيقي تفرض علينا مواجهة اللغة، ذلك أن الأشياء تحمل دلالات. غير أنه ماكان لها أن تكون أنساقا سيميولوجية أو أنساقا دالة لولا تدخل اللغة، ولولا امتزاجها باللغة. فهي، إذًا، تكتسب صفة النسق السيميولوجي من اللغة. وهذا ما دفع بارت إلى أن يرى أنه من الصعب جدا تصور إمكان وجود مدلولات نسق صور أو أشياء خارج اللغة؛ بحيث إن إدراك ماتدل عليه مادة ما يعني اللجوء، قدريا، إلى تقطيع اللغة؛ فلا وجود لمعنى إلا لما هو مسمى، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة." [1]
أما عناصر سيمياء الدلالة لدى بارت، فقد حصرها، في كتابه (عناصر السيميولوجيا) ، في الثنائيات البنيوية التالية: ثنائية الدال والمدلول، وثنائية التعيين والتضمين، وثنائية اللسان والكلام، وثنائية المحور الاستبدالي والمحور التركيبي. وقد حاول بارت بواسطة هذه الثنائيات اللسانية أن يقارب الظواهر السيميولوجية، كأنظمة الموضة، والأساطير، والطبخ، والأزياء، والصور، والإشهار، والنصوص الأدبية، والعمارة، إلخ ...
وأخيرا، يمكن للمقاربة النصية والخطابية، في بعدها السيميوطيقي، أن تستعين بثنائيات بارت اللسانية بغية البحث عن دلالة الأنساق اللفظية وغير اللفظية في الأنشطة البشرية والنصوص الإبداعية الأدبية والفنية.
(1) - حنون مبارك: نفسه، ص:74.