فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 421

وعلى الرغم من هذا التعدد، فهناك ترابط وأواصر جامعة بين هذه اللغات، وخير دليل على هذا الترابط ما تقوم به الترجمة من نقل للمعاني والتجارب السيميائية من لغة إلى أخرى. وفي الآن نفسه، تصبح هذه الترجمة عاجزة عن نقل ذلك بأمانة؛ بسبب اختلاف النسق السيميائي واللساني والثقافي من لغة إلى أخرى. وفي هذا الصدد، يقول يوري لوتمان:"سيمياء الكون موسومة باللاتجانس. تعد اللغات التي تملأ الفضاء السيميوطيقي متنوعة ومترابطة ببعضها البعض على طول طيف يذهب من إمكانية كاملة ومتبادلة للترجمة إلى استحالة كاملة ومتبادلة أيضا للترجمة. يتحدد اللاتجانس، في ذات الحين، بتعدد العناصر التي تكون سيمياء الكون وباختلاف الوظائف التي تنجزها هذه العناصر. هكذا، إذا قمنا بتجربة ذهنية نتخيل من خلالها نموذجا لفضاء سيميوطيقي رأت فيه كل اللغات النور في اللحظة ذاتها ونفسها، وتحت تأثير الاندفاعات نفسها، لانحصل دائما على بنية ذات سنن موحد، ولكن على مجموعة من الأنساق المترابطة والمختلفة." [1]

ومن ثم، تتعرض اللغات، مثل الموضات، للتغير والتطور والتجديد. فإذا كان التطور البيولوجي والتقني يتعرض للمحو والانقراض، وسيطرة الجديد، فإن الأشكال الثقافية تموت وتتجدد حسب العصور. بمعنى أن موضة ما قد تنقرض في زمن ما، لكن يمكن أن تظهر من جديد في فترة أخرى، لتتخذ صفة الحداثة والتميز. وفي هذا، يقول لوتمان:"يتضمن التطور البيولوجي انقراض بعض الأنواع والانتقاء الطبيعي: لايرى الباحث سوى الكائنات الحية التي تعاصره. ظاهرة مماثلة تقع في تاريخ التكنولوجيا: حينما تصبح أداة ما متجاوزة وباطلة بفعل التقدم التقني، فإنها تدخل مرحلة"التقاعد"داخل متحف مثل قطعة أثرية. لقد توقفت، إذا أردنا"

(1) - يوري لوتمان: نفسه، ص:19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت