هو العبادة، وقد كان في أطوار الجهالة يضيف ما لا يعرف سببه إلى مظهره، ويخضع لذلك المظهر، هذا النوع من الخضوع الذي قلنا إنه يسمى عبادة، فعبد السحاب لأنه مظهر البرق والرعد والمطر، وعبد الثعابين لأن لها قوة في الإعدام لم يكن يعرفها، وعبد بعض البشر لأنه ظهر على أيديهم أعمال غريبة لم يقف على عللها وأسبابها، وكان يرتقي في مجموعه في هذه الاعتقادات تدريجًا، وغاية ما ينتهي إليه بعد كمال العلم والمعرفة أن يعتقد أن مظاهر الأفعال الخارقة في نظره أو بالنسبة له ولغيره هي كمظاهر الأفعال العادية مسخرة لقوة غيبية مطلقة عرفت بآثارها لا بذاتها، وأن صاحب تلك القوة هو الله تعالى الذي لا يستحق العبادة غيره فيعبده حينئذ وحده) (1) .
فهذا القول يثبت أسبقية الشرك والوثنية على التوحيد حيث إن الإنسان - حسب هذا الزعم - يخضع لكل مظاهر من مظاهر الكون ويعبده حتى ارتقى إلى معرفة الله تعالى.
وقد كان الشيخ رشيد يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل كولود يولد على الفطرة) بأن المقصود هو الاستعداد للخير والشر والحق والباطل فيقول (وفسر كثير من العلماء الفطرة بالاستعداد للخير والشر والحق والباطل ... وهو الذي جرينا عليه في كتابنا الحكمة الشرعية) (2) .
وهذا المذهب هو ما يسمى بنظرية"التطور التقدمي أو التصاعدي"وقد ساد هذا المذهب أوربا في القرن التاسع عشر (3) .
وهذا المذهب يقوم على افتراضات لم تثبت صحتها فضلا عن أن تثبت نتائجها وهي:
(1) مجلة المنار 4/ 303.
(2) مجلة المنار 8/ 21.
(3) الدين لدراز ص 107.