ثم اقترح على محمد عبده أن يبدأ في إلقاء دروس التفسير, وبعد إلحاح كبير منه وافق محمد عبده, وبدأ في إلقاء دروس التفسير في غرة المحرم سنة 1323هـ وانتهى منه بوفاته في منتصف المحرم سنة 1323هـ عند تفسير قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} الآية 125 من سورة النساء وأكمل الشيخ رشيد التفسير حتى وصل الآية 101 من سورة يوسف وطبعه في المنار (1) .
وإلى جانب هذا السبب هناك سبب آخر وهو أن بلاد الشام التي كان نشأ فيها كانت تحت وصاية مشددة من قبل الدولة العثمانية, إذ كانت تنظر لبلاد الشام بحساسية مفرطة تجاه ما ينشر فيها ويكتب في صحافتها, نظرا لموقعها الجغرافي, إذ هو الباب لبلاد الترك مما انعكس هذا التشديد من قبل العثمانيين على أبناء بلاد الشام الذين ضاقوا ذرعا بتصرفات العثمانيين تجاههم, مما جعل الكثير منهم يهاجر إلى بلدان أخرى طلبا للحرية, وكان من ضمن أولئك الشيخ رشيد الذي يقول: (عزمت على الهجرة إلى مصر لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم ومن مناهل العلم العذبة الموارد ومن طرق النشر الكثير المصادر وكان أعظم ما أرجوه من الاستفادة في مصر: الوقوف على ما استفاده الشيخ محمد عبده من الحكمة والخبرة وخطة الإصلاح التي استفادها من صحبة السيد جمال الدين وأن أعمل معه وبإرشاده في هذا الجو الحر ... ) (2) .
وعل كل حال فإن الشيخ رشيد أصبح من خواص الأستاذ محمد عبده, بل ومن أخص تلاميذه, فأصبح مترجم أفكاره الإصلاحية, وأصبحت مجلة المنار متضمنة لكثير من الأمور الإصلاحية التي كان يستقي الشيخ رشيد بعض معينها من محمد عبده ومن رؤاه هو في الإصلاح فأصبحت هذه المجلة التي تحوي 34 جزءا وتقارب صفحاتها 20000 ألف صفحة حافلة بكثير من الأمور الاجتماعية والدينية والإصلاحية والعلمية والطبية والسياسية والاقتصادية والأدبية والشعرية والتاريخية.
(1) تفسير المنار 1/ 11 والمجددون في الإسلام ص 539 وتاريخ الأستاذ الإمام 1/ 14.
(2) المنار والأزهر ص 191.