فهرس الكتاب
الاحتجاج على النصارى بعدم العمل بالإنجيل المُصَدِّق للتوراة والمقتضي للعمل بها على ما تقدم بيانه آنفًا، وإذا جاز لدعاة المسيحيين اليوم أن يحتجوا على المسلمين بأن القرآن يأمرهم بالإيمان والعمل بالتوراة والإنجيل ولا يرون هذا الاحتجاج مقتضيًا لإيمانهم بالقرآن، فكيف يدعون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لهم بالحكم بالإنجيل يستلزم أن يكون هو راضخًا لأحكامه) (1) .
ونستخلص من هذا, أن الآية لا تدل على ما استدلوا به البتة, فأما الجزم فيقتضي أمر بني إسرائيل بتحكيمه ما جاء فيه في زمانهم (2) ،وأما الكسر بسكون اللام, فيأتي على وجه الأمر بالإيمان به لأهل الإنجيل وهم النصارى وهم بنو إسرائيل, ولو آمنوا به حق الإيمان لصدقوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به المسيح في الإنجيل (3) .
د - ومما استدلوا به قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} (4) .
وقد بين الشيخ رشيد في رده على هذه الشبهة أن المسلمين (يعتقدون أن نبيهم جاء بالحق وصدَّق المرسلين، وأمرنا بأن نؤمن برسل الله وكتبه السابقة؛ ولكن لم يكلفنا بالعمل بتلك الكتب لأنه أغنانا عنها بكتاب أهدى منها لا نحار في روايته، ولا نضل في درايته، مشتمل على جميع ما فيها من صحيح الاعتقاد، معصوم من التحريف والتبديل ... على أن هذه الآية قد اختلف المفسرون في المخاطبين بها، فقيل هم المنافقون المؤمنون في الظاهر، المرتابون أو الجاحدون في الباطن(5) ، كأنه يقول لهم أيها المدَّعون الإيمان بالله وكتابه ورسوله وسائر كتبه ورسله بأفواههم وظواهرهم، عليكم أن تؤمنوا بقلوبكم وتطابقوا بين ظواهركم
(1) مجلة المنار 4/ 539.
(2) انظر: جامع البيان -تفسير الطبري -10/ 374 - 375.
(3) انظر: فتح القدير للشوكاني 2/ 317.
(4) سورة النساء آية 136.
(5) انظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/ 225.