يعرفون التوراة والإنجيل بذاتهما ويتدارسونهما وهم أميون لا يوجد فيهم بل ولا في العرب كافة من يكتب إلا أفراد لا يبلغون طرف جمع القلة؟ - قيل إنهم كانوا ستة نفر وذكر الشيخ رشيد وجها آخر في المراد بقوله {وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} فقال: هو (يوم القيامة وما يتلوه من الثواب والعقاب وهو الأظهر) (1) .
وفي الواقع، إن الناظر في كتب أهل التفسير يرى أن أغلب المفسرين يقولون في تفسير قوله تعالى: {وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} : هو أن المقصود به أنهم لا يؤمنون بالكتب التي أنزلت من قبله كالتوراة والإنجيل (2) .
وأما ما رجحه الشيخ رشيد من أن المقصود"بالذي بين يديه"بأمور الآخرة، فقد بين أهل العلم أن هذا المعنى غير مستقيم في معنى الآية لأن قوله:"بين يديه"تأتي في القرآن الكريم بمعنى المتقدم أو الأمام، ولم تجيء بلفظ الخلف كقوله تعالى: {فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم} (3) فالمراد بلفظ ما بين أيديهم ما أمامهم.
وكقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه} (4) أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر، إلى غير ذلك من الآيات (5) ويوم القيامة ليس متقدما بل هو الحياة الآخرة. ... وأما قول الشيخ رشيد: بأن المراد بقوله تعالى"ولا بالذي بين يديه"أي ولا نؤمن بالكتب التي قلت إنها جاءت قبلك من عند الله - كما تقدم:
فيمكن القول: بأن هذا لا يتعارض مع ذهب إليه أهل التفسير، إذ يحتمل أن يكون مراد قولهم لا نؤمن بالكتب السابقة التي قلت إنها من عند الله، هو زيادة في إمعان الكفر
(1) نفس المرجع والصفحة.
(2) انظر: جامع البيان للطبري20/ 406 ومعالم التنزيل للبغوي 6/ 400.
(3) سورة فصلت آية 25.
(4) سورة الأعراف آية 57.
(5) أضواء البيان 2/ 380.