فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 1074

والتكذيب، وإلا فإن أهل مكة يعرفون التوراة والإنجيل، فقد كان اليهود قريبا منهم في المدينة، بل إن بعض أهل مكة اعتنق ديانة أهل الكتاب كورقة بن نوفل (1) وغيره، ومعرفتهم تلك لا تدل على صحة تلك الكتب مطلقا، بل أنه لاتوجد صلة بين كفر أهل مكة بها ودعوى أهل الكتاب صحة كتبهم، ثم إن أهل مكة قوم وثنيون يعبدون الأصنام فلا يستبعد كفرهم بتلك الكتب مع معرفتهم بها، فكيف يجعل معرفة مجادلو النصارى معرفة أولئك الوثنيين بكتبهم دليل على صحة كتبهم؟

و - استدل بقوله تعالى: {قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين} (2) وقال بأنها (تبين إقرار محمد بصحة الكتاب ومساواته إياه بالقرآن) (3) .

وقد أجاب الشيخ رشيد عن هذه الشبهة مبينا أن المراد بقوله"أهدى منهما"هما (القرآن والتوراة لا الإنجيل كما زعم والدليل على ذلك قوله تعالى قبل هذه الآية: {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} (4) وحكمة إسناد الكفر بموسى إليهم بيان طبائع الأمم وتشابه أطوار البشر حتى كأن الحاضر عين الماضي ... والآيات حجة على المكابرين وبرهان قاطع لألسنة المعاندين، وليس فيها ما يدل على المساواة بين القرآن والتوراة في كل شيء فإن تعجيز المشركين بالإتيان بكتاب من عند الله أهدى مما جاء به موسى ومما جاء به محمد لا يقتضي أن ما جاء به أحدهما مساوٍ لما جاء به الآخر، أرأيت لو قيل لجاهل بعلم المنطق ينكر على علمائه وكتبه: ألف لي كتابًا فيه يكون خيرًا من

(1) ورقة بن نوفل: بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب القريشى وهو الذى أتته خديجة أم المؤمنين، رضى الله عنها، بالنبى - صلى الله عليه وسلم - عند بدأ الوحي عليه فعضده. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووري الجزء الثاني من القسم الأول ص144.

(2) سورة القصص آية 49.

(3) مجلة المنار 4/ 576.

(4) سورة القصص آية 47 - 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت