التعجيب أن هؤلاء القوم ليس لهم ثقة بدينهم ولا إذعان لكتابهم، فهم يحكِّمون صاحب شريعة غير شريعتهم وشريعتهم التي يقولون إنها من عند الله وفيها حكمه بين أيديهم، ومن العجيب أنهم لا يقبلون حكمه إذا هو وافق ما عندهم، وهذا نهاية البعد عن الإيمان الصحيح الخالص بكتابهم، ولذلك قال تعالى بعد استفهام التعجب من تحكيمهم {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} (1) أي ليس إيمانهم بكتابهم صحيحًا لأنهم أعرضوا عنه أولًا فتحاكموا إليك يا محمد، ثم أعرضوا عن حكمك الموافق له ثانيًا، أو النفي لصفة الإيمان عنهم بالإطلاق، فيدخل فيها ما ذكر ويدخل فيها الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، أي أنهم فسدت نفوسهم وبطلت ثقتهم بالدين مطلقًا حتى لا يرجى منهم أبدًا.
وظاهر أن القول بوجود حكم لله أو أحكام متعددة في كتاب الله لا يقتضي أن يكون ذلك الكتاب كله صحيحًا سالمًا من التحريف، مشتملًا على جميع ما أنزله الله تعالى) (2) .
فتبين أن الآية وردت في التعجب من حال اليهود، يتحاكمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم غير مؤمنين به، وبعد ذلك التحاكم يتولوا وهم معرضون إذا خالف حكمه هواهم (3) في تلك المسألة، مع أن القول بأن التوراة تحتوي على بعض الأحكام التي أنزلها الله لا يعني أن كل الأحكام التي فيها صحيحة أو كلها باطلة، بل كما ذكر الله عز وجل أنهم نسوا حظا مما ذكروا به، وبقي لهم القيل من الحق الذي لم يحرف.،فالآية نزلت في أمر مخصوص وليس في عموم أحكام التوراة.
ثانيا: استشهاد النصارى بالأدلة العقلية على صحة كتبهم:
أ - ذكر الشيخ رشيد أن بعض النصارى يستند إلى الدليل العقلي في إثبات صحة كتبهم وقدسيتها، وقد ذكر الشيخ رشيد هذا الدليل فقال نقلا عن أحد النصارى قوله: (وتقرير هذا الدليل أن الله قادر حكيم فلا بد أن يضع دستورًا ويكتب شريعة لمخلوقاته العاقلة، كي تعلم نسبتها إلى خالقها وواجباتها نحوه، وواجبات بعضها نحو بعض، وتعرف مصير العالمين وقصاص العصاة وثواب الطائعين المؤمنين لئلا يكونوا فوضى لا وازع لهم ولا مشترع كالأنعام
(1) سورة المائدة آية 43.
(2) مجلة المنار 4/ 577.
(3) انظر: جامع البيان للطبري10/ 336.