يدوس بعضهم بعضًا، وكالأسماك يأكل صغيرَها كبيرُها، ويفني الناس بعضهم بعضًا وتستوي الفضيلة والرذيلة، وهذا ما لا يرضى به القادر الحكيم ... فإذا لم يكن ذلك الدستور وتلك الشريعة هما التوراة والإنجيل، فقل لي بعيشك ما هما، هل يوجد كتاب قديم مقدس يفي بالغرض المقصود كالتوراة والإنجيل؟ كلا لعمري) (1) .
وقد رد الشيخ رشيد على هذه الشبهة العقلية، بأدلة عقلية جعلها في صيغة استفهام إنكاري، فقال: (ولكننا نذكِّره بأمور إذا تأملها ظهر له أن حجته داحضة. 1 - لماذا ترك الله البشر قبل التوراة ألوفًا من السنين لا نعلم عددها من غير شريعة إذا كان ذلك لا يرضيه؟ ولماذا لم تظهر حكمته هذه إلا في بني إسرائيل من عهد قريب، وكل الناس عبيده والعلة تقتضي العموم؟ هذان السؤالان يردان عليه، وعلى جميع اليهود والنصارى القائلين بقوله ولا يردان على المسلمين؛ لأن القرآن حل هذا الإشكال بقوله تعالى في الرسل: {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} (2) فنحن نعتقد أن الله أرسل رسلًا في جميع الأمم التي استعدت بترقيها إلى فهم توحيده لا يعلم عددهم غيره تعالى. 2 - هل كان أهل الصين كالأنعام يدوس بعضهم بعضًا، أو كالسمك يأكل كبيرهم صغيرهم بلا وازع ولا رادع، أم كانوا أولي مدنية وفضائل قبل وجود بني إسرائيل وبعدهم؟ والتاريخ يدلنا على أنهم كانوا أرقى من بني إسرائيل في العلوم والمعارف والمدنية والنظام الذي تُحتاج الشريعة لأجلها، وكانوا أرقى من النصارى أيام لم يكن عند هؤلاء إلا الديانة التي بثها فيهم مقدسهم بولس، فما زادتهم إلا عداوة وبغضًا واختلافًا وتنازعًا وحربًا واغتيالًا في تلك العصور التي يسمونها المظلمة، وكان الصينيون في هدوء وسلام ووفاق ووئام، ما قيل في الصينيين يقال نحوه في الهنود، ولا يرد مثل هذا الإشكال على المسلمين؛ لأنهم بمقتضى هدى القرآن يجوزون أن يكون الله تعالى بعث في الصين و الهند أنبياء أرشدوهم إلى ما كانوا فيه من السعادة، ثم طال عليهم الأمد،
(1) مجلة المنار 4/ 656.
(2) سورة غافر آية 78.