فهرس الكتاب
(أ - يلزم من هذه القصة شيء أعظم من عجز الخالق تعالى وتقدس عن إتمام مراده بالجمع بين عدله ورحمته, وهو انتفاء كل من العدل والرحمة في صلب المسيح, لأنه عذبه من حيث هو بشر. وهو لا يستحق العذاب لأنه لم يذنب قط, فتعذيبه بالصلب والطعن بالحراب على ما زعموا, لا يصدر من عادل ولا من رحيم بالأحرى, فكيف يعقل أن يكون الخالق غير عادل ولا رحيم, أو أن يكون عادلا رحيما, فيخلق خلقا يوقعه في ورطة الوقوع في انتفاء إحدى هاتين الصفتين, فيحاول الجمع بينهما فيفقدهما معا!.
ب - إذا كان كل من يقول بهذه العقيدة أو القصة ينجو من عذاب الآخرة كيفما كانت أخلاقه وأعماله لزم من ذلك أن يكون أهلها إباحيين, وأن كان يكون الشرير المبطل الذي يعتدي على أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم ويفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل من أهل الملكوت الأعلى, لا يعذب على شروره وخطيئاته, ولا يجازي عليها شيء, فله أن يفعل في هذه الدنيا ما شاء هواه وهو آمن من عذاب الله, وناهيك بهذا مفسدا للبشر, وإن كان يعذب على شروره وخطيئاته كغيره من غير الصليبيين, فما هي مزية هذه العقيدة؟ وإن كان له امتياز عند الله تعالى في نفس الجزاء فأين العدل الإلهي؟.
ج - ما رأينا أحدا من العقلاء ولا من علماء الشرائع والقوانين يقول إن عفو الإنسان عمن يذنب إليه أو عفو السيد عن عبده الذي يعصيه ينافي العدل والكمال, بل يعدون العفو من أعظم الفضائل, وترى المؤمنين بالله من الأمم المختلفة يصفونه بالعفو, ويقولون إنه أهل للمغفرة فدعوى الصليبيين أن العفو والمغفرة مما ينافي العدل مردودة غير مسلمة) (1) .
خصوصًا إذا عرفنا أن آدم وزوجه قد عوقبا, وكذلك الحية التي أغوت المرأة بزعمهم, فقد ورد في سفر التكوين أن آدم وزوجه قد عريا بعد أن كانا ذوا لباس يستر عنهما سوئا تهما وأفرد كل منهم بعقوبة تخصه, فلأجل أكل آدم من الشجرة لعنت الأرض, وحكم عليه بأن يأكل من الأرض بمشقة طوال حياته, وأن الأرض تنبت الشوك والحسك, وأنه لا يأكل الخبز إلا
(1) تفسير المنار 6/ 22.