كان التوحيد ذنبًا لهما، ولغيرهما من الأنبياء وكان الوثنيون المتقدمون هم الناجين؟ وكذلك موسى لم يقل به، بل لم يقل به أحد إلا هؤلاء النصارى) (1) .
فالشيخ رشيد ألزم النصارى باعتقاد صحة قرابين عباد الأوثان والأصنام, وإلا فلا معنى لجعلها رمزا لمجيء المسيح وفدائه, ولو كان صاحبه وعد به منذ بدء العالم فنقول: من أنبأ بذلك الوعد؟ إن كان قد أنبأ به أنبيائه فإن ذلك غير صحيح, وترد عليه كثير من الإشكالات, حيث إنهم لم يشيروا إليه إشارة صريحة صحيحة, ولم يذكروه, ولا مسوغ لهم في كتمان ذلك, خصوصا وأن نجاة العباد بزعمهم متعلقة بالإيمان بذلك الفداء, ونرى أنهم خالفوا ذلك حيث إنهم يطلبون الرحمة من الله, ولم يذكروا الفداء مطلقا, وأما قرابين الوثنيين كانت على خلاف منهاج الأنبياء في طلب العفو والمغفرة, فلا يصح جعلها رمزا لهذه العقيدة المهمة.
وعند ما أدرك بولس أن أنبياء الله تعالى لم يكن يعرفوا ذلك الفداء بدليل عدم إشارتهم إليه, رأى أن أجدى وسيلة وأنفع حيلة, هو القول بأن ذلك سر خفي على جميع من كان قبله من الرسل والأنبياء, يقول بولس عن ذلك: (السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال لكنه الآن قد ظهر لقديسيه الذين أراد الله أن يعرفهم ما هو غنى مجد هذا السر في الأمم) (2) ولكن هذا السر لم يعرفه أحد قبله, ولا المسيح عليه السلام, فإنه لو كان يعرفه لصرح به منذ أول وهلة, ثم بعد ذلك رأى بولس أن يحصر كشف ذلك السر عليه فقال: (أنه بإعلان عرفني السر كما سبقت فكتبت بالإيجاز) (3) .
وعلى هذا, فكل من أتى قبل كشف السر له من أنبياء الله تعالى لم يكونوا سوى خليط من السراق واللصوص (4) على حد تعبير تلميذه يوحنا.
(1) مجلة المنار 7/ 456.
(2) كولوسي 1/ 26.
(3) أفسس 3/ 3.
(4) يوحنا 10/ 8/15.