كملائكة الله"فقال: (لتأويل هذا النفي وجوه منها تعيين المراد بلفظ الملكوت، فقد ورد هذا اللفظ في أمثال كثيرة للسيد المسيح عليه السلام، وأشهرها عند النصارى يوم مجيئه ومحاسبة الناس يوم الدينونة، ويقولون إنه يكون في الدنيا قبل فناء عالمها وقد أخذوا هذا من ظواهر الأقوال، وإن لم تصح كلها، فقد روى متى أنه قال بعدما ذكر آيات مجيئه"الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله"(1) وهو تصريح بأن الملكوت يأتي قبل انقضاء ذلك الجيل، ولم يبهم عليهم إلا اليوم والساعة، وقال إنه لا يعلم بهما أحد إلا الله وحده، ثم ضرب لهم مثلًا لذلك أيام نوح والطوفان، قال"لأنه كما كان الناس في الأيام التي قبل الطوفان يأكلون ويتزوجون ويزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع كذلك يكون مجيء ابن الإنسان" (2) فالظاهر أن المسيح أراد أن يخوِّف الرجل اليهودي الذي سأله عن المرأة التي تزوجت باثنين لأيهما تكون في الملكوت، ويبين له أن ذلك يوم عظيم ينقطع فيه الزواج، وأنه يجب الاستعداد له ولم يخبره بما يكون بعده من النعيم لئلا يتمادى في الغرور، ومن أكبر النعيم أن يكون للإنسان زوج يسكن إليها، وذلك أولى من شرب الخمر الذي صح بإثباته في قوله بعد أن أخذ الكأس وشكر وأعطاهم وأمرهم بالشرب"وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" (3) والحاصل أن للملكوت مبدأ وهو يوم الحساب، وهو الذي لا أكل فيه ولا شرب ولا زواج وله غاية، وهي كما في آخر متى عن المسيح"فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية" (4) وفي ذلك اليوم يشرب الخمر مع تلامذته، وكل ما يناسب الخمر من اللذات الجسدية فحكمه حكم الخمر) (5) ."
(1) متى 24/ 34.
(2) متى 24/ 39.
(3) متى 26/ 29.
(4) متى 25/ 45.
(5) مجلة المنار 4/ 739.