فهرس الكتاب
وذكر وجها آخر في بيان معنى المراد بذلك على فرض ثبوته فقال: (ومن وجوه تأويل نفي الزواج في الآخرة على تقدير صحة نقله أنه ليس كما يكون في الدنيا؛ لأن الحياة الآخرة طور أعلى من هذه الحياة فتشبيهها بها في القرآن يشبه أن يكون تمثيلًا وتقريبًا لها من بعض العقول الضعيفة قال تعالى في رزق الجنة: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} (1) وقال عز وجل: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (2) وفي الحديث: (( إن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر(3 ) )) (4) .
ثانيا: إبطال اعتقادهم محاسبة المسيح للخلائق:
هذه العقيدة مبنية على عقيدتهم في ألوهية المسيح, فإذا عرفنا بطلان القول بألوهية المسيح - كما مر معنا - سقط القول بمحاسبته للناس, فإذا ثبتت بشريته لم يكن له الحق أن يدين الناس ويحاسبهم وهو واحد منهم (5) .
ولا شك أن اعتقاد محاسبة الناس من قبل المسيح عليه السلام فرية عظيمة افتراها النصارى على المسيح عليه السلام, وهي قدح في جناب الربوبية فلا يثبت توحيد الربوبية المحضة لله تعالى إلا بإفراده تعالى بالتصرف في أمور الدنيا والآخرة.
هذا، وإن لهذا الاعتقاد الباطل ما يعارضه من نصوص العهد الجديد, فقد ورد في إنجيل يوحنا تصريح المسيح نفسه بأنه لا يدين الخلق فقال: (لست أدين العباد بأعمالهم ولا أحاسبهم بأعمالهم ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم) (6) وكذلك: (لأنه لم يرسل
(1) سورة البقرة آية 25.
(2) سورة السجدة آية 17.
(3) أخرجه البخاري (3244) ومسلم (2824) .
(4) مجلة المنار 4/ 740.
(5) انظر المسيحية ص 179 لأحمد شلبي مكتبة النهضة - القاهرة ط11عام 2002.
(6) يوحنا 5/ 30.