القائل كقول إبراهيم عن زوجته: هذه أختي يعني في الدين (1) ، ومن القواعد المعقولة والمشروعة أنه إذا تعارض ضرران يجب ارتكاب أخفهما، فإذا حاول ظالم أن يغتصب امرأتك ليسترقها أو يفجر بها وقدرت أن تنجيها منه بكلمة كاذبة - وجب عليك ذلك، وتكون الكذبة معصية في الصورة طاعة في الحقيقة) (2) .
وهذا هو العدل الذي جاءت به مقاصد الشريعة المحمدية فارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أشنعهما (3) .
يقول ابن حجر رحمه الله:
(وَأَمَّا إِطْلَاقه الْكَذِب عَلَى الْأُمُور الثَّلَاثَة فَلِكَوْنِهِ قَالَ قَوْلًا يَعْتَقِدهُ السَّامِع كَذِبًا لَكِنَّهُ إِذَا حُقِّقَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لِأَنَّهُ مِنْ بَاب الْمَعَارِيض الْمُحْتَمِلَة لِلْأَمْرَيْنِ فَلَيْسَ بِكَذِبٍ مَحْض، فَقَوْله:"إِنِّي سَقِيمٌ"(4) يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَرَادَ إِنِّي سَقِيمٌ أَيْ سَأُسْقَمُ وَاسْم الْفَاعِل يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَل كَثِيرًا، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ إِنِّي سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنْ الْمَوْت أَوْ سَقِيم الْحُجَّة عَلَى الْخُرُوج مَعَكُمْ ... وَقَوْله:"بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ" (5) ... هَذَا قَالَهُ تَمْهِيدًا لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْأَصْنَام لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ وَقَطْعًا لِقَوْمِهِ فِي قَوْلهمْ إِنَّهَا تَضُرّ وَتَنْفَع، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَتَجَوَّز فِيهِ الشَّرْط الْمُتَّصِل، وَلِهَذَا أَرْدَفَ قَوْله:"بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ"بِقَوْلِهِ:"فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ"... وَقَوْله"هَذِهِ أُخْتِي"يُعْتَذَر عَنْهُ بِأَنَّ مُرَاده أَنَّهَا أُخْته فِي الْإِسْلَام) (6) .
(1) انظر: صحيح البخاري رقم (3358) ومسلم رقم (2371) .
(2) مجلة المنار 4/ 820.
(3) وهذه قاعدة فقهية وهي (وهي إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 145 وانظر الأشباه والنظائر لابن نجيم ص98.
(4) سورة الصافات آية 88.
(5) سورة الصافات 62.
(6) فتح الباري 6/ 391.