فهرس الكتاب
ثم بعد ذلك أشار إلى النوع الثاني وهو الآيات العلمية النفسية، وذكر أن هذا النوع هو الذي يصح أن يكون برهانا على صدق النبي, فقال: (أما الذي يصلح برهانًا قاطعًا على صدق النبي لا يمكن لمن آمن بسببه أن يرجع عن الإيمان) (1) .
وعرف هذا النوع من الآيات بقوله: (هي ما تدل على صدق النبي دلالة حقيقية بالبرهان الذي يجزم العقل بأن صاحبها مؤيد من الله تعالى، وموحى إليه ما بلَّغه ودعا إليه؛ لأنها عبارة عن كون حال النبي وما جاء به يشهدان بأنهما لا يمكن أن يكونا إلا بإمداد إلهي ووحي سماوي) .
وضرب مثالا على ذلك فقال: (لأنها كحجة من يدعي الطب ويستدل على دعواه بمعالجة المرضى وشفائهم على يده، وبالإتيان بكتاب في الطب إذا عمل به الناس تذهب أمراضهم وتحفظ صحتهم؛ ولكن مدعي الطب إذا استدل على صدقه بأنه يقلب العصا حية، ويكشف حيلة مشعوذ يُري الناس الحبال والعصي حيَّات وثعابين، وفعل ذلك لم يكن بين الدليل والمدلول اتصال يربط أحدهم بالآخر؛ وإنما خضع من خضع من الناس لسيدنا موسى بما ظهر على يديه من الآيات الكونية لما رسخ في طباعهم من الخضوع لكل ذي مظهر غريب يفوق إدراكهم) (2) .
وبهذا يتضح أن الشيخ رشيد يرى أن معجزات موسى وعيسى وسائر الأنبياء لم تكن دليلا على صدقهم، بل هي لإخضاع نفوس أقوامهم لما تعودت عليه من الخضوع أمام صاحب كل ذي مظهر غريب، وعلل لذلك بأن تلك الآيات والمعجزات التي أجريت على أيد الأنبياء لم تكن هناك رابطة بينها وبين ما يدعون إليه من الإيمان بالله وتصديق من أرسله، بخلاف القرآن الكريم الذي هو معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان بينه وبين ما يدعوا إليه أوثق الروابط، هذا هو رأي الشيخ رشيد رحمه الله في التفريق بين معجزات الأنبياء.
(1) نفس المرجع والصفحة.
(2) مجلة المنار 4/ 373.