فالشيخ رشيد في كلامه عن ولادة المسيح لم يتوقف عند الآيات التي تحدثت عن معجزات المسيح, كما توقف عندها السلف الصالح الذين جعلوها معجزة تمّت بقدرة الله وأمره, وأن ولادته آية للناس, قال تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} (1) فلو كانت أمرا عاديا لم تكن آية, يقول ابن كثير عند تفسير هذه الآية: إن فيها (دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه) (2) .
ويعلق صاحب كتاب"اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر"على كلام الشيخ رشيد رضا في تفسيره للآيات التي تحدثت عن معجزة الحمل بعيسى ويقول (لا شك بأن التأويل الأول بأن مريم عليها السلام اعتقدت اعتقادا قويا فعل في رحمها فعل التلقيح، وأن تأثير الاعتقاد القوي أثبتته التجارب الكثيرة، تأويل باطل، بل هو مفتاح لطريق سهل للبغايا الفاسدات وليزعمن إذا وقع منهم الحمل أنهم لم يرتكبن جريمة الزنا، وإنما وقع منهم هذا الاعتقاد! وماالذي بأيدينا حتى نثبت كذبهن إذا جعلن هذا الاعتقاد سبيلا للحمل، بل وأي فضيلة اختصت به مريم وابنها - عليهما السلام - بهذا الحمل، وأي أمر عجب جعله الله آية للناس إذا كانت التجارب في هذا كثيرة، ألا فليعلم بطلان هذا التأويل وانحرافه) (3) .
2 -حاول التقليل من معجزات المسيح، ورأى أنها من قبيل الروحانيات التي تنال بالكسب من قبل أصحاب الفكر السليم، ويرى أيضا أنها لم تقع أصلا من المسيح:
وقد سبق بيان خطأ هذا القول وتبين أن معجزات الأنبياء لا يمكن معارضتها.
(1) سورة مريم آية 20.
(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 9/ 228.
(3) اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر 2/ 906.