فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 1074

وأما ما ذهب إليه في كلامه عن معجزة المسيح في خلق الطير من الطين بإذن الله يقول: بأنه اختص به المسيح وأنه أمر بأن يحتج به عند محاجة قومه، ولكنه لم يقع بالفعل لعدم ثبوت الدليل - كما سبق -.

فيتضح أن الشيخ رشيد لم يستطع أن يجعل لذلك سببا ماديا، كولادة عيسى أو إبراء الأكمه والأبرص - كما سبق - فصار إلى ذلك التأويل في خلق الطير، وهذا الرأي من الشيخ رشيد هو خلاف ما فهمه أئمة التفسير من سلف هذه الأمة.

بالإضافة إلى أن قول الشيخ رشيد: بأن خلق الطير مما اختص به المسيح وأمر بمحاجة قومه بتلك المعجزة إلا أنه لم يقع ذلك منه لعدم وجود الدليل، هو قول في غاية التهافت والتناقض، إذ أن الله عز وجل قد صرح بذلك في معرض منّه على المسيح بإسباغ نعمه عليه يقول تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} (1) فلو لم يقع ذلك منه لم يكن هناك وجه لأن يمن المنعم على المنعم عليه بأمر لم يكن - والله عز وجل منزه عن ذلك -.

ثم إن طريقة القرآن الكريم في عرض الأحداث تقوم على الاختصار لما يفهم من سياق الحديث في النص، وذلك لأنه نزل على العرب الأقحاح الذين يفهمون مرامي الكلام وأبعاده، وهو خلاف ما أراده الشيخ رشيد من لزوم التصريح بوقوع الفعل من المسيح حتى يفهم منه وقوعه حقيقة، فلا يكون النص مثلا: تخلق من الطين كهيئة الطير وأنت خلقتها بالفعل"فهذا ليس من أساليب العرب الذين يفهمون ما يرمي إليه النص، فلا حاجة لتلك الزيادة الساذجة."

ثم إن قول الشيخ رشيد أنه أمر بعرض تلك المعجزات على سبيل المحاجة وهو لم يقع منه بالفعل, فأقل ما يقال على بطلان هذه الشبهة: كيف يحتج المسيح بأمر لم يقع منه أصلا؟ وكيف لم يكذبه اليهود ويرمونه بالكذب في ادعائه القدرة على مثل ذلك؟ مع أن غايتهم هي إثبات كذب المسيح!.

(1) سورة المائدة آية 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت