فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 1074

ويتبين لي, أن الذي ألجأ الشيخ رشيد رضا إلى تلك التقسيمات الكثيرة التي حاول من خلالها التنقيص من معجزات الأنبياء، وذلك بنفي ما قدر على نفي وقوعه مع إثبات أصله, - لوروده في القرآن - والتقليل من شأن ما لم يقدر على نفيه، هو أنه سار على أصل اعتمده لنفسه في ذلك، فيقول: (إن الأصل في كل ما يحدث في العالم أن يكون جاريا على نظام الأسباب والمسببات وسنن الله, التي دل عليها العلم وأخبرنا الوحي بأنه لا تغيير فيها ولا تبديل لها ولا تحويل، فكل خبر عن حادث يقع مخالفا لهذا النظام والسنن فالأصل فيه أن يكون كذبا، اختلقه المخبر الذي ادعى شهوده، أو خدع به ولبس عليه فيه، فإن كان قد وقع فلا بد أن يكون له سبب من الأسباب الخفية التي يجهلها المخبر) (1) . واستدل ببعض الآيات الكريمة.

فالذي يظهر لي أن هذا الأصل الذي سار عليه الشيخ رشيد هو سبب انحرافه عن جادة الصواب, وهو بذلك ضيق الخناق على نفسه في إثبات معجزات الأنبياء, وهو أصل باطل في مقدمته ونتيجته.

فالمقدمة هي قوله: أن كل ما يحدث في نظام العالم يكون جاريا على نظام الأسباب والمسببات واستدل بقوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (2) .

فنقول: على فرض ثبوت هذه المقولة: من أوجد هذا النظام؟ إنه الله تعالى، إذن فالله تعالى هو القادر على أن يجعل سببا بغير مسبب, كولادة عيسى وخلقه من الطين كهيئة الطير, وانشقاق البحر لموسى, وغيرها من الآيات الباهرة لأنبيائه, فالقول بلزوم ذلك على الله تعالى بأن يقيم نظام الأسباب على مسبباتها هو من التألي على الله تعالى, فالله تعالى يفعل ما يشاء متى شاء.

وأما استدلاله بقوله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ} فقد اتفق جمهور المفسرين

(1) الوحي المحمدي ص 193.

(2) سورة فاطر آية 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت