فهرس الكتاب
هـ - أن أحد رواة الحديث وهو ابن مسعود صرح بالمشاهدة حيث قال: (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقة فوق الجبل وشقة يسترها الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهد) (1) .
و - أن وصف الشيخ رشيد لمن صرح بتواتر هذا الحديث ونقل الإجماع عليه بأنه (زعم باطل) , قول يعوزه النظر إذ أن (أنه قد يتواتر عند أهل العلم بالشيء ما لا يتواتر عند غيرهم وأهل العلم بالحديث أخص الناس بمعرفة ما جاء به الرسول ومعرفة أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان) (2) .
ز - أن قوله بخفاء هذا الحادث وعدم اشتهاره بين الأقطار دليل على عدم وقوعها, فهي شبهة واهية, وذلك لأن انشقاق القمر (وقع ليلا وأَكثر الناس نيام والأبواب مغلقة وقل مَنْ يُرَاصِد السَّمَاء إِلَّا النَّادِر، وَقَدْ يَقَع بِالْمُشَاهَدَةِ فِي الْعَادَة أَنْ يَنْكَسِف الْقَمَر، وَتَبْدُو الْكَوَاكِب الْعِظَام وَغَيْر ذَلِكَ فِي اللَّيْل وَلَا يُشَاهِدهَا إِلَّا الْآحَاد، فَكَذَلِكَ الِانْشِقَاق كَانَ آيَة وَقَعَتْ فِي اللَّيْل لِقَوْمٍ سَأَلُوا وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّب غَيْرهم لها، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر لَيْلَتئِذٍ كَانَ فِي بَعْض الْمَنَازِل الَّتِي تَظْهَر لِبَعْضِ أَهْل الْآفَاق دُون بَعْض كَمَا يَظْهَر الْكُسُوف لِقَوْمٍ دُون قَوْم ... هَذِهِ الْقِصَّة خَرَجَتْ عَنْ بَقِيَّة الْأُمُور الَّتِي ذَكَرُوهَا لِأَنَّهُ شَيْء طَلَبه خَاصّ مِنْ النَّاس فَوَقَعَ لَيْلًا لِأَنَّ الْقَمَر لَا سُلْطَان لَهُ بِالنَّهَارِ وَمِنْ شَان اللَّيْل أن يكون أَكْثَر النَّاس فِيهِ نِيَامًا وَمُسْتَكِنِّينَ بِالْأَبْنِيَةِ، وَالْبَارِز بِالصَّحْرَاءِ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ يَقْظَان يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَشْغُولًا بِمَا يُلْهِيه مِنْ سَمَر وَغَيْره، وَمِنْ الْمُسْتَبْعَد أَنْ يَقْصِدُوا إِلَى مَرَاصِد مَرْكَز الْقَمَر نَاظِرِينَ إِلَيْهِ لَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ، فَقَدْ يَجُوز أَنَّهُ وَقَعَ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَكْثَر النَّاس، وَإِنَّمَا رَآهُ مَنْ تَصَدَّى لِرُؤْيَتِهِ مِمَّنْ اِقْتَرح وقوعه، ولعل ذلك إِنا كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر) (3) .
(1) تقدم تخريجه في ص 593.
(2) درء تعارض العقل والنقل 7/ 32.
(3) فتح الباري لابن حجر 7/ 185.