فهرس الكتاب
دخلوا قطرًا من الأقطار محاربين أو مسالمين، إلا وجذبوا أهله إلى دينهم ولغتهم من غير مدارس تنشأ، ولا كتب تقرأ، ولا مجالس للجدال تعقد، ولا أموال ولا منافع تبذل، ولا سيف للإكراه على الدين يستلّ، وإنما كانت سيرتهم الطاهرة وآدابهم العالية هي التي تجذب الأمم إليهم، وتقسر سرائرها على الاقتداء بهم، وتقود عقولها إلى الدخول في زمرتهم، وقد شهد لهم ولمن تبعهم من بعدهم علماءُ الإفرنج المنصفون ومؤرخوهم المحققون، قال الحكيم الفرنسي غوستاف لوبون (1) صاحب كتاب"حضارة العرب": ما عرف التاريخ فاتحًا أرحم ولا أعدل من العرب) (2) .
ويقول أيضا في هذا المعنى: (نشأ نبينا صلى الله عليه وسلم أميًّا بين قوم أميين، ولم يُعْنَ في صباه وعهد شبابه بما كان يُعنى به فصحاء قومه وأذكياؤهم من الشعر والخطابة، والمبارات في المفاخرة والمماتنة، ثم قام في سن الكهولة يدعو قومه وسائر الأمم إلى إصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم وأحكامهم وسياستهم وأحوالهم الشخصية والاجتماعية، وقال: إن الله أوحى إليه من العلم ما يكفل ذلك، ووعده أن يؤيده فيه، فهو يربي قومه العرب ويزكيهم بالقرآن ويعلمهم الكتاب والحكمة، وهم ينشرون دعوته ويبثون حكمته في الأمم، فيفتح الله لهم المشرق والمغرب، وينقل الله بهم الأمم والشعوب من حال إلى حال أعلى وأرقى - من الوثنية والعبودية والذلة والظلم وفساد الأخلاق والآداب والجهل إلى التوحيد والعدل والحرية والآداب والفضائل والعلم وثمراته، وقد كان ذلك فهل يعقل أن هذا مما يقدر عليه أميٌّ مثله بعلمه الكسبي واستعداده الشخصي؟) (3) .
ويسلط الشيخ رشيد الضوء على جانب واحد من جوانب سيرته النبوية النيرة, وهو جانب إخلاصه صلى الله عليه وسلم في دعوته, فلو كان غير ذلك - وحاشاه - صادق فيما
(1) غوستاف لوبون: هو طبيب وعالم اجتماعي فرنسي ولد عام 1841م وتوفي عام 1931م. انظر: المنجد في الأعلام ص 495.
(2) مجلة المنار 15/ 570.
(3) مجلة المنار 15/ 571.