فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 1074

ادعاه من النبوة لما صدر منه كل ذلك فيقول: (من أكبر آيات إخلاص النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه في دعواه أن القرآن الذي عظم جميع الأنبياء تعظيمًا كبيرًا، وأثنى على كل من ذكره باسمه منهم فردًا فردًا، وبرأهم من كل ما رامهم به أهل دينهم من الكبائر والفضائح قلَّ أن اختص محمدًا بمدح أو بفضل أو مزية دون غيره من إخوانه الأنبياء عليهم جميعًا الصلاة والسلام، بل كثيرًا ما يذكر محمدًا مع شيء من اللوم له أو العتاب أو الإرشاد والتأديب ونحو ذلك مما يعرفه المطلعون على القرآن الكريم، ولو كان محمد من الكاذبين لما سجل على نفسه شيئا من هفواته في القرآن الكريم ولخصَّ نفسه بالمدح والتعظيم والتبجيل والإكرام في أغلب القرآن، ولرفع منزلته فوق كل منزلة، ولنصَّ على أنه أفضل النبيين وأقرب المقربين من رب العالمين، بل لادعى البراءة من كل عيب ونقص وخطأ، ولنسب لنفسه العصمة من كل زلل أو سهو أو نسيان، ولما أمر في القرآن بطلب الرحمة والغفران من الله ولما ألزم نفسه الفرائض الكثيرة والنوافل العديدة الشاقة في صلواته وصيامه وقيامه بالليل لعبادة الرحمن ولادَّعى الكمال المطلق في كل شيء، ولقال: إن العالم خلق لأجله ومن نوره وأنه أول موجود كما يقول عامة المسلمين الآن فيه تقليدًا للنصارى في عيسى، بل لقال عن نفسه أكثر مما قال يوحنا في إنجيله عن المسيح، ولما نهى عليه السلام الناس، وبالغ في النهي، عن إطرائه كما أطرت النصارى عيسى أو لعدَّد على الأقل في قرآنه جميع أعماله وأتعابه ومناقبه ومفاخره أو لأعجب بنفسه ومدحها كثيرًا كما فعل بولس في رسائله على ما سبق بيانه في صفحة ولكن أين ذلك الكبر الباطل والغرور والإعجاب بالذات من تلك الروح العالية، والنفس الطاهرة الكبيرة، روح الصدق والإخلاص والتواضع والانكسار لله تعالى؟ وفوق ما تقدم كله لم يذكر في القرآن حادثة من حوادث حياته إلا عرضًا ولغرض غير مجرد تدوين أخباره وسيرته، فإن الرغبة في ذلك لم تكن منه مطلقًا وإلا لو أرادها لكانت زد على هذا أنه لم يضع للمسلمين موسمًا أو عيدًا أو نحو ذلك لتذكر شيء ما من حوادث حياته الشخصية كيوم ولادته أو هجرته أو إسرائه أو غير ذلك مما ابتدعه الناس بعده، ولو شاء لجعل كثيرًا من أمم الأرض تعبده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت