فهرس الكتاب
وعلى هذه القوانين العقلية تكون المقارنة حجة عقلية تنتج حكما صحيحا لا مرد له, وعلى هذا الأساس عقد الشيخ رشيد هذه المقارنات.
وقد بين الشيخ رشيد أن الغرض من هذه المقارنات ليس القدح في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, بل هي وسيلة خصبة لدعوة مستقلي الفكر من أصحاب الديانات الأخرى, فمن ما ذكره في إحدى محادثاته مع أحدهم فيقول: (وقد جرت لنا في هذا الموضوع محادثة مع أحد علماء التاريخ المسيحيين الجغرافيين الذين لا يتعصبون في الحقيقة لدين، وكان موضوع الكلام: من هو أعظم رجال التاريخ وفرضنا أنفسنا غير معتقدين بدين، فذكرت محمدًا وذكر موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام متفقين على أنهم أعاظم الرجال، مختلفين في أعظمهم وأفضلهم بحسب حاله وأثره التاريخي) (1) .
ثم عقد المقارنة بين موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام فقال:
(فأما موسى عليه الصلاة والسلام: فقلت إن موسى تربى في بيت أعظم ملك في العالم لذلك العهد على أنه ابنه، فنشأ في مهد المُلك والسلطان، وأُشرب حب السيادة والحكم، وشاهد سير المدنية والعلوم الكونية والسحرية، وأبصر فنون الصنائع، وتقلب في ظل القوانين والشرائع، وأظهرت عزة المُلك ما اقتضاه مزاجه من الشجاعة والإقدام، ثم لما بلغ أشده وصار لفرعون وآله عدوًّا وحزنًا علم أن له أمة مضطهدة مهانة على ما منحته من ذكاء الفطرة والجد في العمل وكثرة النسل، فاتخذهم عصبية له، وحاول تأسيس مُلك نزعت إليه نفسه لما أعطته التربية الملوكية، وظاهر فرعون وجالده أولًا بالقوة التي كان يُستولى بها على النفوس، ويُستعبد بسلطانها الشعوب، وهي قوة الأعمال الغريبة التي نشأ في حجرها، ثم خرج عليه بقوة العصبية كما عهد من كثيرين في ممالك متعددة ...
ويرى منكرو الوحي أن ماجاء به موسى من الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة ناشيء في بيت الملك والتشريع
(1) مجلة المنار 4/ 380.