فهرس الكتاب
ثم يرى الناظر أن سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعهدين بها وأنهم كانوا يتدارسون تفسيرها في مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم أخرى فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمد ذكر موازنة ومفاضلة ويرى أيضا أن يوحنا المعمدان الذي شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم لم يأت بشرع ولا بنبأ غيبي) (1) .
وأما عيسى(فهو رجل يهودي تربى على الشريعة الموسوية، وكان تابعا لها مع نسخ قليل في أحكامها وإصلاح روحي أدبي لجمود اليهود المادي على ظواهر ألفاظها فأمكن لجاحدي الوحي أن يقولوا: إنه لا يكثر على رجل مثله زكي الفطرة زكي العقل ناشيء في حجر الشريعة اليهودية والمدنية الرومانية والحكمة اليونانية غلب عليه الزهد والروحانية أن يأتي بتلك الوصايا الأدبية.
وعلق بذهنه شيء من إفراط بعض فلاسفة اليونان في الزهادة وترك الدنيا بالمرة، وإذلال النفس لأجل نجاة الروح والدخول في ملكوت السماء، فطفق يخطب بذلك وتبعه بعض الفقراء الذين وجدوا لهم بكلامه تعزية وسلوى وأن تعاليمه ومواعظه تؤدي إلى فساد المدنية وخراب العمران والهبوط بالنوع الإنساني من أُفُقه الأعلى إلى حضيض الحيوانية السفلى، لما فيها من تربية النفوس على الذل والمهانة، والرضا بالخسف والهضيمة، والأمر بترك عمران الدنيا وترقيتها لاعتقاد أن الجمل يدخل في سم الخياط ولا يدخل الغني ملكوت السموات، ثم هي من جهة ثانية تعاليم إباحة؛ لأنها تُعَلِّم أن الذي يؤمن بصلب المسيح لأجل خلاصه هو الذي يختص بملكوت السماء، وتمحى جميع خطاياه، ومن اعتقد ذلك يستبيح كل محظور ويتبع هواه، ومن جهة ثالثة نرى هذه التعاليم وثنية؛ لأنها تأمر بعبادة البشر، وتطفئ نور العقل؛ لأنها تكلفه بأن يعتقد بثبوت ما يجزم بأنه محال ككون الثلاثة واحدًا، والواحد ثلاثة، وتذهب باستقلال الفكر والإرادة إذ تجعلها مقيدة بسلطة الرؤساء بمقتضى قاعدة أن ما يحلونه في الأرض يكون محلولًا في السماء، وما يعقدونه في الأرض يكون معقودًا في السماء) (2) .
(1) انظر الوحي المحمدي ص 62.
(2) انظر مجلة المنار 4/ 382.