فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 1074

وأما محمد عليه الصلاة والسلام(فقد تربى يتيمًا في أمة وثنية أمية جاهلية، ليس لها شرائع ولا قوانين ولا مدنية ولا وحدة قومية ولا معارف ولا صنائع، وكان أعظم ارتقاء بلغته في عهده أن وجد بضعة نفر تعلموا الكتابة بسبب اختلاطهم بالأمم الأخرى، ولم يكن هو منهم ولا السابقون إلى الإيمان به، ومع هذا أوجد أمة ودينًا وشريعة وملكًا ومدنية في مدة قريبة لم يعهد مثلها في التاريخ.

علَّم الناس أن يبنوا عقائدهم على قواعد البراهين العقلية، وأن تكون آدابهم وأخلاقهم على صراط الاعتدال، وأن يقوموا بحقوق الروح والجسد وأن يراعوا سنن الله في الخلق والأمم، وبيَّن لهم العبادات بآثارها في تزكية الروح وتطهيرها ككون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لما اشتُرط فيها من الخشوع وأباح لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وجعل المعاملات الدنيوية دائرة على درء المصالح وجلب المنافع، وأطلق لهم حرية العقل والفكر، وساوى بينهم في الحقوق لا فرق بين الملك الكبير والصعلوك الفقير ولا بين الرجل والمرأة، وأعطى المرأة حرية التصرف في أملاكها ووضع حدودًا عادلة لتحكم الرجال في النساء، وللرق، ونقَّح نظام الحروب فمنع البغي والتمثيل بالقتلى وقتل من لا يقاتل كالنساء والشيوخ والأطفال ورجال الدين ونحن المسلمين لا نقول هذا ولا ذاك وإنما يقوله الماديون والملحدون والعقليون وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية) (1) .

فتبين أن آيات محمد صلى الله عليه وسلم على نبوته أدل ودلائله أعظم فإذا جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق فالقدح فيما دونه أولى وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات (2) .

ثم قال الشيخ رشيد رضا بعد أن ذكر هذه المقارنة:

(1) انظر الوحي المحمدي ص 62.

(2) انظر منهاج السنة 2/ 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت