وكانت معه وولدت له سلمة في أثناء ذلك، ثم عاد إلى مكة، ولما أراد الهجرة بها إلى المدينة صدها قومها وانتزعوها منه هي وابنها سلمة، ثم انتزع بنو عبد الأسد آل زوجها ابنها سلمة من آلها بالقوة حتى خلعوا يده، فكانت كل يوم تخرج إلى الأبطح تبكي حتى شفع فيها شافع من قومها فأعطوها ولدها فرحّلت بعيرًا ووضعت ابنها في حجرها وهاجرت عليه، فكانت أول امرأة هاجرت إلى الحبشة، ثم كانت أول ظعينة هاجرت إلى المدينة، وكانت تُجل زوجها أيما إجلال حتى أن أبا بكر وعمر خطباها بعد وفاته من جرح أصابه في غزوة أحد فلم تقبل، وعزَّاها النبي صلى الله عليه وسلم عنه بقوله: سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرًا فقالت: ومن يكون خيرًا من أبي سلمة؟
فلم ير لها عزاء ولا كافلًا لها ولأولادها ترضاه غيره صلوات الله تعالى عليه وعلى آله، ولما خطبها لنفسه اعتذرت بأنها مسنة وأم أيتام وذات غيرة، فأجاب صلى الله عليه وسلم بأنه أكبر منها سنًّا، وبأن الغيرة يذهبها الله تعالى، وبأن الأيتام إلى الله ورسوله (1) ، فاجتمع لها من الفضائل: النسب الشريف، والبيت الكريم، والسبق إلى الإسلام، وعلو الأخلاق ولا سيما الوفاء وكفالة اليتيم، وكل منها سبب صحيح لاختيار صاحب الخلق العظيم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق لهذه المرأة الفضلى أن تكون من أزواجه الطاهرات وأمهات المؤمنين ومعلمات المؤمنين ... ) (2) .
6 -جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:
بين الشيخ رشيد رضا أن جويرية أنها أسرت في غزوة بني المصطلق وكانت جويرية من ضمن الأسرى وهي ابنة سيدهم فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتعرفت إليه بأنها بنت سيد قومها، وذكرت لها سَبْيها واستعانته على كتابتها لتحرير نفسها، فقال: أو خير من ذلك؟.
(1) أخرجه مسلم (919) .
(2) مجلة المنار 32/ 433.