فهرس الكتاب
المدنية؛ لأن الخطاب بها للمؤمنين المكلفين، على أن الآيات الطويلة التي قال:"إن الآية الواحدة منها تزيد على عدة سور بتمامها من القسم المكي"قليلة جدًّا، بل لا تظهر تمام الظهور إلا في آية الأحكام المالية من الدَّيْن والرَّهْن وكتابتها والاستشهاد عليها من سورة البقرة، فهي أطول آية في القرآن تبلغ في المصاحف المطبوعة اثني عشر سطرًا، وهي تزيد على عدة سور من صغار المفصل التي تتلى في الصلوات القصيرة مكيها ومدنيها، فسورة النصر منها مدنية، وهي سطران فقط، وسورة الزلزلة مدنية وهي أربعة أسطر، ومثلها سورة العاديات والمعوذتين، وكذا العصر في قول وهي سطر واحد.
وآيات الأحكام التي قلما تبلغ نصف تلك الآية الطولى قليلة جدًّا كآيتي المواريث في سورة النساء (1) ,ودونها الآية التي في آخرها (2) ، وآية الوضوء (3) وآية الوصية في السفر من سورة المائدة (4) ,وما عدا ذلك من آيات السور السبع الطول والمئين معتدل بين الطول والقصر، ومنها المكي والمدني، وإنما تكثر الآيات القصيرة في قسم المفصل من القرآن لحكمتين:
أولاهما: أن أكثره وعظ وزجر وعبر، وسوره أكثرها مكي، وهو المناسب لمقتضى الحال في مكة وأهلها لما كان عليه أكابر أهلها في جحودهم وعنادهم وطول باعهم في البلاغة، لا لانحطاط بيئتهم وسذاجتهم كما زعم، فإنهم كانوا أرقى العرب ذكاء ونباهة وبلاغة.
وثانيتهما: أنه أكثر ما يُتْلَى في الصلوات فرضها ونفلها، طويلها وقصيرها، فالمناسب أن تكون آياته قصيرة وسوره قصيرة أو متوسطة ليكون كل ما يقرأ منها مستقلا بالفائدة المتدبرة
(1) والمقصود به قول الله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} إلى قوله تعالى {ولكم نصف ماترك أزواجكم .. } سورة النساء آية 10 - 11.
(2) وهي قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة .. } سورة النساء آية 175.
(3) وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... } سورة النساء آية 15.
(4) وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ... } سورة المائدة آية 105.