وقد قال ابو بكر رضي الله عنه لزيد بن ثابت رضي الله عنهما عند ما أمره بجمع القرآن:"كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم" (1) .
فهذه الآثار تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كتاب يكتبون الوحي ويدعوهم لكتابته فور نزوله وحرص الصحابة رضوان الله عليهم من بعده على حفظ ما كتبوه.
وأما قول ذلك الطاعن في القرآن الكريم (وأن الذي ضاع منه ما نسيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه ما نسيه الصحابة رضوان الله عليهم، ومنه ما لم يُحْفَظ) .
فنقول له: أين الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم نسي ما أوحي إليه وقد قال الله تعالى له {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} (2) وأين الدليل على أن الصحابة نسوا ماقريء عليهم وقد تواترت الأثار بحفظ كثير من الصحابة للقرآن الكريم فضلا عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا لا يداخله ريب ولا يدانيه شك ولأجل ذلك أقر كثير من علماء النصارى بكتابة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول أحد علماء النصارى وهو"ول ديورانت": (وقد أملى النبي في أوقات مختلفة من الثلاث والعشرين السنة الخيرة من حياته ما كان يوحى إليه من آياته، وكان كل ما يُوحى به إليه يُكتب على الرق، أو الجلود، أو سعف النخيل، أو العظام ثم يحفظ مع الآيات السابقة دون أن يراعى في ذلك ترتيب زمني أو منطقي، ولم تجمع هذه الآيات كلها في كتاب واحد في حياة النبي، ولكن بعض المسلمين كانوا يحفظونها عن ظهر قلب) (3) .
فتبين أن أولئك الطاعنين لم يعتمدوا في شبههم على دليل تاريخي ولا برهان عقلي بل يعتمدون على الهوى والتعصب للباطل المقيت
القسم الثاني:
(1) سبق تخريجه.
(2) سورة الأعلى آية6.
(3) قصة الحضارة13/ 50.