من أذاها لا أنها ارتدعت من قِبَل نفسها قالوا: والشاهد على صحة ذلك قوله {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} قالوا: فالسوء هُو ما كان همَّ به من أذاها وهو غير الفحشاء) (1) .
وهناك أقوال أخرى ذكرها أهل العلم في تفسيرهم لهذه الآية ومدارها على قولين:
أ - أن الهم الذي أصاب يوسف عليه السلام هو خاطر قلبي لم يصل إلى درجة الإصرار على فعل الأمر بخلاف امرأة العزيز التي همت هم إصرار على فعل ذلك الأمر بدليل قدها قميصه من قبل حينما حاول الهرب من أمامها (2) .
وهم الخطرات لا يؤاخذ عليه الإنسان لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف فيوسف عليه السلام صرفه عن فعل ذلك الهم وازع التقوى (3) .
ب - أن يوسف لم يقع منه هم أصلًا، بل هو منفى عنه لوجود البرهان
فينتهي الخبر في الآية عند قوله في الإخبار عنها {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه} ثم يبدأ خبر آخر في الإخبار عن يوسف عليه السلام وهو قوله تعالى {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} فيكون المعنى: أنه لولا البرهان لهم بها يوسف وهذا الاستعمال شائع في لغة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم
وممن ذهب إلى هذا القول أبو حيان الأندلسي الذي قال (طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّيْن، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان) (4) .
يقول الشيخ الشنقيطي (وهذا الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل
(1) جامع البيان للطبري 16/ 38وانظر ابن كثير 4/ 381.
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية 10/ 174.
(3) أضواء البيان للشنقيطي 3/ 62.
(4) البحر المحيط 5/ 294 - 295.