ذهب الشيخ رشيد في جوابه عن هذه الشبهة إلى أن نسبة مريم أم المسيح إلى عمران من باب نسبة المرء إلى العظيم أو الرئيس من أجداده قريبًا كان أو بعيدًا (كقولهم في المسيح: ابن داود وإطلاقهم لقب إسرائيل على ذريته، وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب وتسمية جميع الناس ملك العربية عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ابن سعود) (1) وهم ليس عندهم دليل قطعي لنسبها حتى ينفوا ذلك.
وهناك جواب آخر رجحه بعض أهل العلم وهو أن القرآن الكريم أخبر أن والد مريم اسمه عمران ولا يلزم من ذلك أن يكون هو أبو موسى وهارون.
يقول البغوي: (وعمران هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام، وبينهما ألف وثمانون سنة) (2) .
فتسمية القرآن أبو مريم بعمران لا يلزم أن يكون هو أبو موسى وهارون فهذه الدعوى باطلة وإنما تصح لو أن القرآن الكريم صرح بأن عمران هذا هو أبو موسى وهارون بل الذي نجده هو أن القرآن قد صرح بأن عيسى عليه السلام كان بعد أنبياء بني إسرائيل حيث قال تعالى في سورة المائدة بعد ذكره التوراة وأنبياء بني إسرائيل {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} (3) .
فإذا كان هنا ينص على أن عيسى - عليه السلام - أتى بعد جميع أنبياء بني إسرائيل
التابعين لموسى فكيف يستنتج من هذا أن أمه هي أم موسى وهارون
وهذا القول هو الحق وذلك لورود آية أخرى تصرح بأن امرأة عمران ولدت مريم ونذرتها للهيكل يقول تعالى {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
(1) مجلة المنار 34/ 381.
(2) معالم التنزيل للبغوي 2/ 29.
(3) سورة المائدة آية 46.