وبعد ذلك يجتهد العلماء في اتباع تلك النصوص واستخراج الأحكام التفصيلية من أدلتها الإجمالية (1) .
يقول الشيخ رشيد (لم يدع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانًا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، على أن رسول الله عليه السلام كان مُبَلِّغًا ومُذَكِّرًا، لا مهيمنًا ولا مُسَيْطِرًا، قال الله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} (2) ولم يجعل لأحد من أهله أن يَحُلَّ ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه فيما بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفعه عن كل رق إلا العبودية لله وحده، وليس لمسلم مهما علا كعبه في الإسلام على آخر مهما انحطت منزلته فيه إلا حق النصيحة والإرشاد. قال تعالى في وصف الناجين: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (3 ) ) (4) .
ويقول أيضا:(من الظلم البين أن نرمي الإسلام نفسه بتقرير السلطة الدينية المعروفة عند النصارى، والإسلام هو الذي أبطل كل سلطة يكون بها فريق مسيطرًا على روح فريق وحاكمًا على حريته في غير ما يحرمه الشرع على كل رئيس ومرؤوس أو يطالب به كل رئيس مرؤوس، إن الذين اتبعوا سنن من قبلهم وقلدوهم في مثل هذا الأمر لم يتقنوا التقليد، وكان روح الإسلام مانعًا أن يبلغوا منه كل ما أرادوا، ولكن
الإسلام لم يسلم من أعداء يلصقون به كل عيوبهم ويقولون عليه الكذب وهم يعلمون نعم إنهم يعلمون أنهم يخلقون عليه إفكًا) (5) .
إذن فالإسلام بعيد أشد البعد عن السلطة الدينية المطلقة ولكن ما هي طبيعة السلطة في الإسلام؟
(1) مجلة المنار 29/ 405.
(2) سورة الغاشية آية 21 - 22.
(3) سورة العصر آية 3.
(4) مجلة المنار 24/ 345.
(5) مجلة المنار 5/ 844.