فهرس الكتاب
استنباط الجزئيات التي تحدث إلى أولي الأمر العارفين بمقاصد الإسلام وبأصوله العامة وقواعده الكلية فهم يبيّنون الأحكام بالشورى في كل
ما يحدث للناس من المصالح استنباطًا من تلك الأصول والقواعد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (1) فذكر أولي الأمر بصيغة الجمع، وقال {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (2) ذكر أولي الأمر بصيغ الجمع أيضًا وأناط بهم استنباط الحكم الذي يُحتاج إليه أو يُتنازع فيه
ثم إن الأحكام الشرعية المنصوصة أو المستنبطة تحتاج إلى منِّفذين ولا بد أن يكون لهؤلاء رئيس لئلا تكون الأمور فوضى، وقد سمي الرئيس الأول في الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خليفة له، وسمي مَنْ بعده أمير المؤمنين واستمر هذا اللقب ووظيفة هذا الرئيس حماية الدين وتنفيذ أحكام شريعته فليس هو مسيطرًا على الناس في دينهم ولا مستقلًا بوضع الأحكام الشرعية لهم وإنما هو حافظ للنظام ومنفذ للأحكام، وسلطته هذه كما نرى شُورِيّة لا مطلقة ولا استبدادية، ولكنّ الإسلام أوجب عليه أن يعمل بالشرع وحرم عليه أن يكون شارعًا بنفسه وأوجب طاعته بالمعروف، كما أوجب على الأمة إزالة سلطانه إن حَمَلَها على غير المشروع؛ فصح بهذا الاعتبار أن يقال: إن السلطة المدنية في الإسلام مستندة إلى الدين أو إنها سلطة دينية ولكن لا يصح أن تشبه بالسلطة الدينية عند غير المسلمين ولا أن يجعل صاحبها جامعًا بين سلطتين إحداهما على الأرواح والعقول والثانية على الأجسام والأعمال.
هذا هو ديننا وهذه هي سلطته فبماذا يطالبنا ذلك الكاتب النصراني، وبماذا ينصح لنا؟ هو يطالبنا بأن نجعل رئيسنا المدني شارعًا ومنفِّذًا لما يشرعه لنا من الأحكام، وينصح لنا بأن نترك شريعتنا القائمة على أصول ديننا ويزعم أن بناء الشريعة على قواعد الدين وجَعْل الحُكّام حماة للدين ومنفذين له هو الذي أزال الدولة العباسية، وفرق شمل الأمة الإسلامية، ومن رأيه
(1) سورة النساء آية 59.
(2) سورة النساء آية 83.