فهرس الكتاب
يقول الشيخ رشيد رضا بعد أن ذكر الآية المتقدمة (هذه كلمة جليلة جدًّا جمعت على إيجازها ما لا يؤدى بالتفصيل إلا في سِفر كبير، فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرًا واحدًا عبر عنه بقوله: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} وهذه الدرجة مفسرة بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (1) وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشرتهن ومعاملاتهم في أهليهن، وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة تعطي الرجل ميزانًا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا همَّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه ... وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء؛ وإنما أراد أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهم أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلاًّ منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره ما لا يلائمه وما ينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر، ويتخذه عبدًا يستذله ويستخدمه في مصالحه، لا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه) (2) .
سادس عشر: رياسة الرجل في الأسرة شورية لا استبدادية:
بين الشيخ رشيد رضا أن للرجل القوامة وحق الطاعة على الزوجة ولكن ذلك ليس على سبيل الجور والاستبداد والتعسف بل على سبيل المعاشرة بالمعروف
فقال: (وردت النصوص الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله محمد خاتم النبيين في جعل إدارة المنزل والأسرة مقيدة بأوامر الشريعة ونواهيها، وبالعرف المرعي بين الناس في المعاشرة
(1) سورة النساء آية 34.
(2) مجلة المنار 32/ 373.