فهرس الكتاب
الجواب عن الأمر الأول: أن المراد بالعدل في الآية الأول, ى وهي قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم} يختلف عن المراد بالعدل بالآية الثانية, وهي قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرصتم} فالمراد به في الآية الأولى هو العدل في النفقة والكسوة والأمور الحسية, وأما العدل في الآية الثانية فالمراد به الميل القلبي أَيْ: فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ والحظ من القلب (1) ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ وَيَعْدِلُ فَيَقُولُ: هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ ) ) (2) يَعْنِي: الْقَلْبَ وَأَمَّا الْعَدْلُ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ فَهُوَ واجب بين الزوجات (3) .
وأما الجواب عن الأمر الثاني: وهو"أن البيت الذي به زوجتان لا تستقيم حاله"فهذا حكم بغير دليل, وقول ليس له ما يعضده من الشرع أو العقل أو الواقع, وذلك لأن الشرع جاء بإباحية التعدد نظرا لكثير من المصالح والحكم التي نعلم بعضها - كما سبق -.
فسبق أن تبين معنا كيف هذب الإسلام الزوجة, وجعلها مكرمة مصونة في بيت الزوجية بعد أن كانت مهانة لدى الأمم السابقة, يتخذ الرجل عدة زوجات لا يتقيد بعدد معين, ولكن النصارى عندما حاولوا إصلاح ذلك أتوا بما هو أفسد, وهو اتخاذ زوجة واحدة, واتخاذ عدة خدينات وعشيقات لاتربط الرجل بهن إلا من أجل فعل الفاحشة, فتبين أن أصل خلقة الرجل ميال بطبعه إلى معاشرة النساء, فقننها الإسلام تقنينا مبني على الحكمة, فجعل الرجل مخير بين الاقتصار على زوجة واحدة, أو أن يزيد باثنتين, فإن أراد الزيادة فبثلاث, وإن أراد فبأربع, وفيها ما يكفي لسد هذه الغريزة الفطرية.
وأما قوله بأن التعدد لا يستقيم به أمر البيت, فهذا لا يقبله العقل والواقع! لأن إطلاق الحكم هكذا غير صحيح إطلاقا, لأن هذه أمور - بعد توفيق الله تعالى - تختلف من بيت
(1) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 305.
(2) أخرجه أبو داود رقم (2136) وابن ماجه برقم (1971) والترمذي برقم (1140) والنسائي برقم (3943) والحاكم 2/ 187 وصححه وقد ضعفه الألباني في مختصر إرواء الغليل برقم 2018.
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية 32/ 170.