كيف لا؟ وهم يسجدون لها ويسألونها قضاء حوائجهم بتأثيرها الخفي ويوقدون الشموع والبخور أمامها ويتوجونها بالأزهار - كما تقدم -
ويصور المهتدي نصر بن يحي المتطبب بعض ما يفعله النصارى تجاه تلك التماثيل - لا سيما الصليب - فقال: (ثم إنكم تتخذون الصليب من المعادن أو النباتات, وتعظمونه كتعظيم المسيح, وتضعونه في قبلتكم على منبر عال, وتحته الثياب الفاخرة, وفي خدمته جماعة من الكهنة قد كشفوا رؤوسهم ولبسوا الطيلسانات يهللون بأعلى أصواتهم وينقادون لخدمته الجماعات على تلك الحال أيضا, ويقبلون الأرض بين يديه ويلثمونه) (1) .
ولا شك أن هذا يعد من قبيل الشرك الأكبر بالله تعالى, فقد أضافوا آلهة أخرى إلى ثالوثهم بعبادتهم لتلك الصور والتماثيل.
وتعظيم الصليب وعبادته على وجه الخصوص من الأمور العجيبة التي تنطوي عليها الديانة النصرانية (لأن تعظيمهم لخشبة الصليب لا يخلو إما أن يكون مثلها قد مس جسد المسيح، وهو ارتفع عليه بحسب زعمهم، وإما لأجل أنها واسطة فداء، وإما لأجل أن دمه سال عليه. فإن كان الأول يلزم أن يكون نوع الحمير معبودًا لهم أعلى من الصليب عندهم، لأن المسيح عليه السلام ركب على الأتان والجحش ومساجد المسيح وكانا موضوعي راحته ودخوله ممجدًا إلى أورشليم، والحمار يشارك الإنسان في الجنس القريب والحيوانية، فهو جسم نام حساس متحرك بالإرداة بخلاف الخشب الذي ليست له قدرة الحس والحركة. وإن كان الثاني فيهودا الاسخريوطي الدافع أحق بالتعظيم لأنه الواسطة الأولى والذريعة الكبرى للفداء، فإنه لولا تسليمه لما أمكن لليهود مسك المسيح وصلبه، ولأنه مساوٍ للمسيح عليه السلام في الإنسانية وعلى صورة الإنسان وكان ممتلئًا بروح القدس صاحب الكرامات والمعجزات فالعجب أن هذه الواسطة الأولى عندهم ملعونة والصغرى مباركة معظمة. وأما الثالث فلأن الشوك
(1) النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية ص 74 - 57.