ومع أن العقل يمتاز بهذه المميزات في الإسلام, بل هو مناط التكليف, إلا أنه لا يستقل بمعرفة المعارف الدينية, كما يشير إلى ذلك الشيخ رشيد بقوله: (إن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي) (1) .
ويقول: (ومن كان يؤمن بدين منزل من عند الله لا يمكن أن يقبل ما يوافق عقله ويرد ما لا يوافقه من المسائل التي يعتقد أن الله فرضها عليه ... فمن فعل ذلك كان غير متبع لدين يؤمن به قطعا وإنما يكون متبعا لهواه بغير هدى من الله فوظيفة العقل أن يعلم ويفهم ليعمل لا أن يتحكم في دينه ثم إن عقول الناس تختلف اختلافا كثيرا فيما يوافق أصحابها وما لا يوافقهم وذلك يقتضي أن يمون لكل فرد ممن يحكمون عقولهم في الدين دين خاص به وللمجموع أديان كثيرة بقدر عددهم) (2) .
وهذا هو الموقف الصحيح الذي عليه منهج أهل السنة والجماعة فيه موقفهم من العقل (3) . ولا شك أن الشيخ رشيد في هذا الجانب كان متأثرا بمنهج السلف تأثيرا كبيرا, حيث خالف فيه أستاذه محمد عبده الذي يرى أنه (إذا تعارض العقل والنقل أُخِذَ بما دل عليه النقل وبقي في النقل طريقان طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمة وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل) (4) وفيما تقدم من كلام الشيخ رشيد ما يكفي من الرد على هذه الدعوى.
وأما استدلال الشيخ رشيد بالعقل في رده على النصارى فهو كثير جدا حيث رد على كثير من آرائهم الاعتقادية - من ضمن ردوده - بأنها تخالف العقل ولا توافقه فمن ذلك مثلا: رده على عقيدة التثليث, مبينا أن هذه العقيدة غير معقولة البتة, حيث لا يمكن أن
(1) مجلة المنار 1/ 293.
(2) مجلة المنار 34/ 758.
(3) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم تحقيق: د/ علي محمد الدخيل 2/ 457.
(4) مجلة المنار 5/ 443.